يشترط لإعمال وتطبيق قاعدة"ما لا يدرك كله لا يترك جله": أن يتعذر تحقق الشيء كاملًا، فمتى أمكن الإتيان به أو وجوده على وجه التمام والكمال، كان هو المتعين، وحينئذٍ يكون العمل بمقتضى القاعدة يفضي إلى الإخلال بالمأمورات: إما في الأركان، أو الشروط، أو الواجبات، مع القدرة على الإتيان به، كمن يصلي معتمدًا على شيء وهو قادر على القيام بنفسه، أو من يتيمم في البرد مع قدرته على استعمال الماء أو تسخينه [1] .
ونظير هذا العمل بالظن واليقين، من جهة أن حصول الشيء يقينًا يقتضي الإتيان به تامًا في قَدْره ووصفه وسائر متعلقاته، وأن الإخلال بشيء من ذلك يعني نزوله إلى درجة الظن.
وإذا كان الظن في رتبة أدنى فإنه لا يصار إليه إلا عند تعذر اليقين -كما قرر ذلك العلماء- وإنما جاز العمل به؛ رخصة وتيسيرًا على المكلفين؛ لتعذر اليقين عليهم في كل شيء، وهذا لا يلغي تحصيله، بل يبقى أمرًا مطلوبًا على قدر الاستطاعة [2] .
وتعذر الإتيان بالشيء كاملًا يرجع غالبًا إلى كون المكلف قد تعرض لبعض المشاق التي حَدّتْ من قدرته وأضعفتها، ونظرًا لاختلاف الناس في قدراتهم وطاقاتهم، ونوعية المشقة التي تعترضهم، كان من العسير تحديد المشقة التي يرتبط بها التيسير والتخفيف، وقد اجتهد العلماء في ضبط المشقة غير المعتادة، وكان من أهم الضوابط التي اعتبروها في ذلك: ضبط مشقة كل عبادة بأدنى المشقة المعتبرة فيها [3] .
وقد قرر ذلك العز بن عبد السلام في كتابه"قواعد الأحكام" [4] تقريرًا حسنًا، فقال: إن المشقة التي تنفك عن العمل غالبًا ثلاثة أنواع: مشقة عظيمة، ومشقة خفيفة، وواقعة بين هاتين المشتقين.
فالأولى كمشقة الخوف على النفوس والأطراف، فهذه موجبة للتخفيف والترخيص.
والثانية كأدنى وجع في أصبع أو أدنى صداع، فهذه لا يلتف إليها.
والثالثة مختلفة في الخفة والشدة، فما دنا منها من المشقة العليا أوجب التخفيف، وما دنا منها من الدنيا لم يوجب التخفيف، إلا عند أهل الظاهر.
(1) انظر: الروض المربع (2/ 340 - 341) ، وكشاف القناع (1/ 162، 163) .
(2) انظر: القواعد للمقري (1/ 289، 2/ 372) ، ونظرية التقريب والتغليب للريسوني (ص 238) .
(3) انظر: كتاب الرخص الشرعية في الأصول والقواعد الفقهية للدكتور عمر كامل (ص 248) .
(4) (2/ 10 - 11) بتصرف.