الصفحة 34 من 64

المطلب الثاني: الأدلة الخاصة:

1 -قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) متفق عليه. فإنما قيد الأمر بالاستطاعة دون النهي؛ لأن المنهي عنه عبارة عن استصحاب حال عدمه، أو الاستمرار على عدمه، وليس في ذلك ما لا يستطاع حتى يسقط التكليف به، بخلاف فعل المأمور به فإن العجز عن تعاطيه محسوس؛ إذ هو إخراج من العدم إلى الوجود، وذلك يتوقف على شروط وأسباب، كالقدرة على الفعل ونحوها [1] .

فإذا لم يقدر المكلف على شيء من الفعل سقط عنه بالكلية، وإذا قدر على بعضه وعجز عن بعضه الآخر، فعل المقدور عليه وسقط المعجوز عنه؛ تحصيلًا لما يمكن إيجاده من مصلحة الفعل، وهذا خير من تفويتها بالكلية،"فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله" [2] .

ومن هذا القبيل: النصوص الدالة على أن التكاليف الشرعية مشروطة بالاستطاعة، وأن من عجز عنها، أو عن بعض واجباتها سقط عنه ما عجز عنه، وذلك كقوله تعالى: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) [آل عمران: 97] ، وقوله: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) [البقرة: 184] .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم (فيما استطعتم) متفق عليه [3] . وفي حديث بيعته صلى الله عليه وسلم للنساء يقول: (فيما استطعتن وأَطَقْتُنّ) أخرجه أحمد [4] . وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أحدكم يصلي، فلا يَدَعْ أحدًا يَمُرُّ بين يديه، وليدرأ ما استطاع) أخرجه مسلم [5] .

2 -الأحكام التي وردت مرتبة ورُوعي فيها التدرج والتنزُّل بحسب استطاعة المكلف، وذلك بانتقاله من حال التمام التي يعجز عنها إلى التي أدنى منها ويطيقها، وهكذا من الأعلى إلى الأدنى؛ لأن التكليف في حدود الاستطاعة، فمن عجز عن الإتيان بالمأمور به كله وقدر على بعضه، أتى بما تمكن من الإتيان به [6] .

من ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: (صل قائمًا، فإن لم تستطع

(1) انظر: التعيين في شرح الأربعين (ص 111 - 112) ، وفتح الباري (13/ 326) .

(2) المرقاة شرح المشكاة للملا علي القاري (5/ 380) .

انظر: شرح مسلم للنووي (9/ 103) ، وإعلام الموقعين (3/ 27) ، وجامع العلوم والحكم (1/ 254، 256) .

(3) أخرجه البخاري (7202) ، ومسلم (1867) .

(4) (6/ 257) ، وأخرجه النسائي (7/ 149) ، وابن ماجه (2874) ، والترمذي (1597) وقال: حسن صحيح.

(5) (505) عن أبي سعيد الخدري.

(6) انظر: التعيين للطوفي (ص 290) وشرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص 36) ، وفتح الباري (2/ 748) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت