الصفحة 35 من 64

فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب) أخرجه البخاري [1] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) أخرجه مسلم [2] .

ومنه أيضًا؛ الآيات الواردة في كفارات القتل [3] والظهار [4] واليمين [5] وهدي التمتع [6] وحديث كفارة الجماع في رمضان [7] .

3 -ما ورد من النصوص التي يذكر فيها شيئان، فُضّل أحدهما على الآخر، ولكل منهما نصيبه من الفضل، فاحترز [8] بذكر الفضل الجامع بينهما، لئلا يتوهم أحدٌ ذمَّ المُفَضَّل عليه [9] ، ولما فيه من تطييب خاطره، كما أن فيه حثًا له على تلافي التقصير، واستدراك ما يمكنه استدراكه [10] . وذلك كقوله تعالى: (فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى) [النساء: 95] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلِّ خير) الحديث أخرجه مسلم [11] .

فالمفضول وإن فاته كمال الفضل، وتعذر حصوله على تمام الأجر والثواب على ما عمل، فإنه لا يفوته نصيبه من ذلك بقدر ما يستحق.

"وكذلك في الجانب الآخر إذا ذُكرتْ مراتب الشرِّ والأشرار، وذكر التفاوت بينهما، فينبغي بعد ذلك أن يَذْكر القدْر المشترك بينهما من أسباب الخير أو الشر، وهذا كثيرُ في الكتاب والسنة" [12] .

ومن هذا القبيل: أن الناس لما أنكروا على الوليد بن عقبة سيرته في إمارته فزعوا إلى ابن مسعود -رضي الله عنه- فقال لهم: اصبروا فإن جورَ إمام خمسين عامًا خيرٌ من هرج شهر، وذلك أني سمعت رسول الله -صلى الله عنه وسلم- يقول: (لابد للناس من إمارةٍ بَرّةٍ أو فاجرةٍ، فأما البَرَّةُ فتَعْدلُ في القَسْم، ويَقْسمُ بينكم بالسوية، وأما الفاجرةُ فيُبْتلى فيها المؤمنُ، والإمارةُ الفاجرة خيرٌ من الهرج) قيل: يارسول الله وما الهرج؟ قال: (القتْلُ والكذبُ) أخرجه الطبراني في"الكبير" [13] .

فالإمارة الفاجرة، وإن كان فيها مفاسد وبلاء على الناس، ولكن ما يتحقق في ظلها من

(1) (1117) عن عمران بن الحصين.

(2) (49) عن أبي سعيد الخدري.

(3) في قوله تعالى: (وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ) [النساء: 92] .

(4) في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ*فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) [المجادلة: 3 - 4] .

(5) في قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ) [المائدة: 89] .

(6) في قوله تعالى: (فََإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) [البقرة: 196] .

(7) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا وقع بامرأته في رمضان، فاستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: (هل تجد رقبة؟) قال: لا. قال: (وهل تستطيع صيام شهرين؟) قال: لا. قال: (فأطعم ستين مسكينًا) أخرجه البخاري (6821) ، ومسلم (111/ 82) ، وعندهما أيضًا بأوسع من هذا اللفظ.

(8) ويسمى عند البلاغيين بـ"الاحتراس"وهو زيادة في الكلام يدفع بها المتكلم إيهامًا اشتمل عليه كلامه (البلاغة العربية للميداني 2/ 84، وانظر: التلخيص للقزويني ص 229) .

(9) انظر: تفسير ابن كثير (13/ 413 - 414) ، وتفسير ابن سعدي (ص 195) ، والقول المفيد لابن عثيمين (2/ 366) .

(10) انظر: في ظلال القرآن (2/ 741) ، وروح المعاني (5/ 179) .

(11) (2664) عن أبي هريرة.

(12) بهجة قلوب الأبرار (ص 69) .

(13) (10/ 132/10210) وقال الهيثمي في المجمع (5/ 224) : وفيه وهب الله بن رزق ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت