عدل نسبي واستقامة للأمور، هي خير -في هذا الجانب- من الحال التي ينفرط فيها عِقد الأمن، وتسود الفوضى بالاعتداء على الدماء والأموال والحرمات.
ونظيره ما يقوم به بعض طوائف المبتدعة كالجهمية والرافضة من دعوة الكفار إلى دين الإسلام، فيسلم على أيديهم منهم خلق كثير، ويصيرون مسلمين على شيء من البدعة والضلال، ولا شك أن هذا خير من أن يبقوا على الكفر، فبإسلامهم يَقِلُّ شرُّهم ويصبح ولاؤهم للمسلمين عامة [1] .
4 -شواهد من السنة تفيد هذا المعنى: أن الشيء إذا تعذر تحقيقه على وجه الكمال، وأمكن حصول بعضه وتحقق به المقصود، فإنه لا يترك لعدم الإتيان به كله.
من ذلك: حديث أنس -رضي الله عنه- قال النبي -صلى الله عنه وسلم-: (مثل الجليس الصالح مثل العطار، إن لم يُعْطِكَ من عطرِهِ أصابك من ريحه) أخرجه أبوداود [2] .
أي: أن الجليس الصالح في جميع أحوالك معه أنت في غُنم وخير، كحالك مع العطار، فإذا لم يتيسر لك الأخذ من عطره، فلا أقل من أن تنتفع بجلوسك معه، فتصيب من رائحته الطيبة [3] .
ومنها: حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المرأة خلقت من ضِلَع، وإنك إن تريد أن تقيمها تكسره، وإن تداريها فإن فيها أَوَدًا وبُُلْغَة) أخرجه أحمد [4] .
وفي حديث سمرة بن جندي قال النبي صلى الله عليه وسلم (فدارها تعش بها) أخرجه أحمد أيضًا [5] .
ومنها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يَفْرَكْ مؤمنٌ مؤمنةً، إن كَرِهَ منها خُلُقًا رَضي منها آخر، أو قال: غيره) أخرجه مسلم [6] .
قال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي [7] :"من لحَظ الأمرين، ووازن بينهما، وعامل الزوجة بمقتضى كل واحد منها، وهذا منصف، ولكنه قد حُرم الكمال."
وهذا الأدب الذي أرشد إليه صلى الله عليه وسلم، وينبغي سلوكُه واستعمالُه مع جميع
(1) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وهذا كالحجج والأدلة التي يذكرها كثير من أهل الكلام والرأي، فإنه ينقطع بها كثير من أهل الباطل، ويقوي بها قلوب كثير من أهل الحق، وإن كانت في نفسها باطلة فغيرها أبطل منها، والخير والشر درجات، فينتفع بها أقوام ينتقلون مما كانوا عليه إلى ما هو خير منه". إلى أن قال:"والله تعالى بعث الرسل بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا الخلق بغاية الإمكان ونقل كل شخص إلى خير مما كان عليه بحسب الإمكان (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الأحقاف: 19] " (مجموع الفتاوى 13/ 95، 96) .
(2) (4829) ، وصححه الحاكم (4/ 280) ووافقه الذهبي ثم الألباني. وفي الصحيحين بمعناه وأطول منه.
(3) انظر: بهجة قلوب الأبرار لابن سعدي (ص 313) .
(4) (5/ 150، 169) ، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (747) ، والنسائي في الكبرى (9152) ، والدارمي (2221) والبزار (3969 - 3970) ، ورمز له الألباني بالحسن.
(5) (5/ 8) وأخرجه أيضًا: ابن حبان (4178) ، والبزار (1476) ، والحاكم (4/ 174) وصححه ووافقه الذهبي.
(7) بهجة قلوب الأبرار (ص 247) .