الصورة الثانية: الشيخ الكبير العاجز عن الصوم، القادر على الإطعام، فهذا يفطر ويجب عليه الإطعام عن كل يوم مسكينًا، في قول جمهور العلماء كأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد والشافعي في أحد قوليه، وهو مروي عن جماعة من الصحابة، وفي معناه: المريض الذي لا يرجى برؤه، وهو محمول على من لا يرجو إمكان القضاء، فإن رجا ذلك فلا فدية عليه، ويجب عليه انتظار القضاء وفعله بنفسه إذا قدر عليه.
وقال مالك: لا يجب عليه شيء، لأنه ترك الصوم لعجزه، فلم تجب فديةً [1] .
الصورة الثالثة: المريض والجريح إذا خاف على نفسه باستعمال الماء، فهو كالعادم، ينتقل إلى التيمم في قول أكثر العلماء، كالشيخ العاجز عن الصيام، ينتقل إلى الإطعام [2] .
وختم ابن القيم؛ كلامه في هذه الصور بقوله [3] :"وضابط هذا أن المعجوز عنه في ذلك كله، إن كان له بدل انتقل إلى بدله، وإن لم يكن له بدل سقط عنه وجوبه".
إذا قَدِر المكلف على بعض العبادة وعجز عن باقيها، فلا يخلو حاله: إما أن يكون العجز ببعض البدن أو عن بعض الواجب، والثاني لا يخلو إما أن يكون مقصودًا بالعبادة أو لا يكون، فإن كان مقصودًا بالعبادة لا يخلو إما أن يكون حقًا ماليًا أو لا يكون، فإن لم يكن حقًا ماليًا فإما أن يكون جزء عبادة أو يكون وجب تبعًا لغيره، فإن كان جزء عبادة فإما أن يكون مشروعًا في نفسه أو لا يكون. فهده ستة أقسام [4] :
القسم الأول: أن يكون العجز ببعض البدن، فهذا يجب عليه ما قدر عليه ببدنه ويسقط عنه ما عجز عنه، كما لو كان بعض بدنه جريحًا وبعضه الآخر صحيحًا، غسل الصحيح وتيمم للجريح، في الصحيح من مذهب الحنابلة، والمشهور من مذهب الشافعية [5] ، لحديث صاحب الشَجَّة قال صلى الله عليه وسلم: (إنما كان يكفيه أن يتيمم ويَعْصِبَ على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده) أخرجه أبو داود [6] .
ونظيره: إذا ذهب بعض أعضاء وضوئه، وجب عليه غسل ما بقي [7] .
القسم الثاني: أن يكون المقدور عليه غير مقصود بالعبادة، بل هو وسيلة محضة إليها، كتحريك اللسان بالتكبير والقراءة في الصلاة للعاجز عن القراءة أو الكلام، وإمرار الأصلع
(1) انظر: المغني لابن قدامة (4/ 395 - 396) وفتح القدير (2/ 356) والمدونة (1/ 211) والمجموع (6/ 211) .
(2) انظر: المغني (1/ 335) ، والحاوي للماوردي (1/ 269) ، والروض المربع (1/ 360) .
(3) بدائع الفوائد (4/ 30 - 31) .
(4) انظرها في: قواعد ابن رجب (1/ 43 - 50) ، وتحفة أهل الطلب لابن سعدي (ص 9 - 11) ، وبدائع الفوائد (4/ 33 - 34) .
(5) خلافًا للحنفية فلا يرون الجمع بين الماء والتيمم، وفي المذهب المالكي أربعة أقوال.
انظر: المجموع (2/ 326 - 327) ، وكشاف القناع (1/ 165) ، وبدائع الصنائع (1/ 51) ، وحاشية الدسوقي (1/ 272) ، وحاشية ابن عابدين (1/ 257) .
(6) (336) ، وأخرجه الدارقطني (1/ 190) ، والبيهقي (1/ 228) وضعفه، وكذلك الحافظ في بلوغ المرام (147) .
(7) انظر: المغني (1/ 173 - 174) .