الصفحة 47 من 64

المبحث الخامس: بين هذه القاعدة وقاعد"الميسور لا يسقط بالمعسور"

مقارنة بين القاعدتين نجد أن لقاعدة"اليسار لا يسقط بالمعسور"شهرة وأقدمية مما يجعلها كالمنطلق والبناء لغيرها، فقد استعملها جمهرة العلماء، وتداولوها بينهم، وبنوا عليها فروعًا كثيرة؛ فقال إمام الحرمين الجويني (ت 478 هـ) [1] :"إن من الأصول الشائعة التي لا تكاد تنسى ما أقيمت أصول الشريعة: أن المقدور عليه لا يسقط بسقوط المعجوز عنه".

وورودها في كلام هذا الإمام بلفظ مقارب للفظ المشهور، يعني ابتكارها وظهورها في وقت متقدم، في حين أن قاعدة"ما لا يدرك كله لا يترك جله". على ما مر ذكره [2] -لم أقف لها على ذكر في شيء من كتب القواعد الفقهية ولا الفقه وأصوله- وكان أقدم من صرح بها -فيما أعلم- هو الملا علي القاري (ت 1014 هـ) في كتابه"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" [3] .

وبالنظر إلى ما تفيده القاعدتان فإنه يتمثل فيهما جانب التيسير والتخفيف عن العباد فيما كلفوا به، ذلك أن الشارع راعى ما يعرض للإنسان من ظروف طارئة كالمرض ونحوه، تجعل قيامه بالتكاليف الشرعية -مع يسرها وسهولتها- شاقًا وصعبًا، ولمراعاة ذلك خفف الشارع عنه التكاليف بما يناسب حاله وقدرته، فإن"المأمورات الشرعية كلها مشروطة بقدرة العبد واستطاعته، فإذا لم يقدر على الواجب بالكلية سقط عنه وجوبه، وإذا قَدِر على بعضه وَجَب ما يقِدرُ عليه منه، وسقط عنه ما يعجز عنه" [4] .

ولئن كانت قاعدة"الميسور لا يسقط بالمعسور"تحظى بما تحظى به من الاشتهار والسبق في الظهور، فإن المتأمل في الفروع المخرجة عليها يدرك أن مجال إعمالها إنما هو في الأوامر التي لا يسع المكلف تركها، بالإضافة إلى ما ينبئ عنه لفظ"الميسور"و"المعسور"فهما ضدان مؤداهما: أن المكلف يلزمه الإتيان بالأمر الشرعي، فإن تمكن من امتثاله فهو من الميسور، وإن تعذر عليه وفاق قدرته فهو من المعسور.

وأما قاعدة"ما لا يدرك كله لا يترك جله"فيمكن توسيع مجال إعمالها، فإن لفظه"يدرك"تعني: الوصول إلى الشيء، ولا يلزم ضرورة أن يكون ذلك فيما هو لازم، وهكذا لفظه"يترك"فإنها تعني: عدم فعل المقدور مطلقًا، سواء بإرادة من التارك أو لا [5] .

فلا يختص جريانها فيما هو لازم، بل يكون فيما ليس بواجب من ندب وإباحة كقوله

(1) غياث الأمم في التياث الظلم (ص 337) .

(2) في المبحث الأول: نشأة القاعدة.

(3) (5/ 380) ، و (6/ 517) .

(4) بهجة قلوب الأبرار (ص 361) ، وانظر: القواعد الفقهية الكبرى للسدلان (ص 311) .

(5) انظر: شرح المواقف (6/ 139) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت