الصفحة 33 من 64

المبحث الثاني: أدلة القاعدة

المطلب الأول: الأدلة العامة:

1 -ما ورد من النصوص الدالة على رفع الحرج عن هذه الأمة سواء في أحكام الشريعة بعامة أو في قضايا معينة، كقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: 78] وقوله: (مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ) [المائدة: 6] ، وقوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) [النور: 61 والفتح: 17] ، ولما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، قيل له، فقال: (صنعتُه لئلا تكونَ أمتي في حَرَجٍ) [1] ، وقال: (عبادَ الله، وَضَع الله الحرج إلا من اقْترض من عِرض أخيه شيئًا، فذلك حَرَجٌ وهُلْكٌ) أخرجه الخمسة إلا الترمذي [2] .

ومن معاني"رفع الحرج"أن من عجز عن فعل المأمور به وأمكنه الإتيان ببعضه، فعل ما قدر عليه منه، كالمصلي إذا لم يستطع الصلاة قائمًا صلى قاعدًا، وإلا فعلى جنب [3] .

2 -النصوص الواردة في التيسير ودفع المشقة عن هذه الأمة كقوله تعالى: (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185] ، وقوله: (يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا) [النساء: 28] ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن خير دينكم أيسرُهُ) [4] ، وقال: (إن الله تعالى رَضي لهذه الأمة اليسر، وكَرِه لها العسر) [5] .

فإن جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله، وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله سهّله تسهيلًا آخر: إما بإسقاطه، أو تخفيفه بأنواع التخفيفات [6] .

3 -ما ورد من الآيات النافية للتكليف بما ليس في وسع المكلف وطاقته كقوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) [البقرة: 286] ، وقوله: (لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) [الأنعام: 152] .

فإن الله لا يحمّل النفس إلا ما في حدود سعتها وطاقتها، ودون بلوغ غاية الطاقة والمجهود [7] . فمن عجز عن الفعل كله سقط عنه، وإن قوي على بعضه، وعجز عن بعضه الآخر، سقط ما عجز عنه ولزمه ما قَدر عليه، سواء كان أقله أو أكثره [8] .

(1) أخرجه الطبراني في الكبير (10525) ، وفي الأوسط (4117) عن ابن مسعود.

قال الهيتمي في مجمع الزوائد (2/ 161) : وفيه عبد الله بن عبد القدوس، ضعفه ابن معين والنسائي، ووثقه ابن حبان، وقال البخاري: صدوق إلا أنه يروي عن أقوام ضعفاء. قلت: روى هذا عن الأعمش، وهو ثقة اهـ.

(2) أخرجه أحمد (4/ 278) ، وابن ماجه (3436) واللفظ لهما، وأبو داود (2015) والنسائي في الكبرى (7554) ، والحاكم (1/ 121) و (4/ 198، 399) وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في الصحيحة (432) .

(3) انظر: مفاتيح الغيب (23/ 74) .

(4) أخرجه أحمد (4/ 338، 5/ 32) ، والطيالسي (1296) ، والبخاري في الأدب المفرد (341) عن محجن بن الأدرع مطولًا. صححه الحافظ في الفتح (1/ 126) ، وحسنه الألباني في الصحيحة (1635) .

(5) أخرجه الطبراني في الكبير (20/ 707) عن محجن الأدرع.

قال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/ 18) :"ورجاله رجال الصحيح". وانظر: السلسلة الصحيحة (1635) .

(6) بهجة قلوب الأبرار (ص 168) بتصرف.

(7) انظر: المحلى لابن حزم (1/ 68) ، وتفسير ابن كثير (2/ 526) ، ورفع الحرج للدكتور يعقوب الباحسين (ص 63)

(8) انظر: قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام (2/ 7) ، وتهذيب السنن لابن القيم (1/ 48) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت