الصفحة 61 من 64

المبحث الثامن: الفروع المستثناة من قاعدة"ما لا يدرك كله لا يترك جله"

وجدت فروع فقهية لم تنضو تحت مظلة هذه القاعدة، فحينما تعذر وجود الحكم في بعض أفراد القضية امتنع إثباته فيما بقي من الأفراد، وصار"ذكر بعضها كذكر كلها، وإسقاط بعضها كإسقاط كلها" [1] ومثل ذلك لا يقلل من أهمية قاعدتنا، ولا يحجم من اتساعها؛ إذ لكل قاعدة ما يستثنى منها، أو ينبو عن حكمها [2] ، وهذه الاستثناءات ترجع إلى أحد الأسباب الآتية [3] :

الأول: وجود نص خصّص المستثنى من حكم القاعدة:

مثاله: عدم جواز التشريك في النية؛ بما يبطل ثواب الأعمال أو ينقصها، من رياء وسمعة، أو قصد شيء من حظوظ الدنيا، لمنافاته الإخلاص، فإذا كان الباعث له على العبادة مراءاة الناس دون أن يقصد التقرب إلى الله تعالى، كمن قام يصلي من أجل نظر الناس إليه، فهذا شرك والعبادة كلها باطلة، لحديث: (قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عَمِل عملًا أشْرك فيه معي غيري، تركتُهُ وشِرْكَهُ) أخرجه مسلم [4] ، وابن ماجه [5] ولفظه: (فأنا برئٌ منه، وهو للذي أشرك) .

ولذا لا تقبل النيابة ولا التوكيل في النية؛ لأن المقصود اختبار سر العبادة، واستثني من جواز التوكيل في النية إذا كانت العبادة مالية، أو مركبة من مالية وبدنية؛ لافتقار تلك العبادات إلى نية من يباشرها، وذلك كتفريق زكاة، وذبح أضحية، وحج [6] .

الثاني: أن يدل الإجماع على امتناع إلحاق المسألة المستثناة بالقاعدة:

مثاله: من قدر على إمساك بعض يوم وعجز عن إتمامه، فلا يلزمه بلا خلاف، لأنه جزء من العبادة، ولا يقع عبادة في نفسه بانفراده [7] .

وأما من لم يبلغه دخول شهر رمضان إلا أثناء النهار، يلزمه الإمساك ولو بعد فطره، والقضاء، وهكذا كل من صار في أثناء يوم من رمضان أهلًا للوجوب، كما لو أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو بلغ صغير، لزمهم إمساك ذلك اليوم وقضاؤه؛ لحرمة الوقت، ولقيام البينة فيه بالرؤية، ولإدراكه جزءًا من وقته كالصلاة [8] .

(1) هذا جزء من قاعدة أولها:"ما لا يقبل التبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كله".

انظر هذه القاعدة في: الأشباه والنظائر لابن السبكي (1/ 105) ، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص 296) ، والأشباه والنظائر لا بن النجيم (ص 162) والمنثور للزركشي (3/ 153) ، وموسوعة القواعد الفقهية (9/ 221) .

(2) ولذلك عرفوا القاعدة الفقهية: بأنها"حكم أكثري لا كلي، ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه."

انظر هذا التعريف وغيره في: غمز عيون البصائر (1/ 51) والأشباه والنظائر لابن السبكي (1/ 11) والتلويح على التوضيح (1/ 35) .

(3) انظر في هذا: الاستثناء من القواعد الفقهية أسبابه وآثاره للدكتور عبد الرحمن الشعلان (ص 56 - 74) .

(5) (4202) وقال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله ثقات اهـ. ووافقه الألباني في أحكام الجنائز (ص 53) .

(6) انظر: الوجيز في إيضاح القواعد الكلية (ص 59) ، ومقاصد المكلفين للأشقر (ص 287) .

(7) انظر: قواعد ابن رجب (1/ 48) ، وبدائع الفوائد (4/ 30) ، وأشباه السيوطي (ص 295) .

(8) انظر: الإقناع (1/ 305) ، وكشاف القناع (2/ 309) ، والأشباه والنظائر للسيوطي (ص 295) ، والشرح الصغير (1/ 244) وحاشية قليوبي على شرح المنهاج للمحلي (2/ 52) ، والروض المربع (4/ 284) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت