الصفحة 31 من 64

المبحث الأول: نشأة القاعدة:

لعل أقدم من صّرح بذكرها -فيما وقفت عليه- هو العلامة الملاّ علي القاري (ت 1014) في كتابه"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" [1] ، فقد أوردها بلفظ:"ما لا يدرك كله لا يترك كله"، وتابعه على ذلك من جاء بعده كحسن صديق خان في"أبجد العلوم" [2] ، وأبي الطيب آبادي في"عون المعبود" [3] ، وابن سعدي في"تفسيره" [4] .

وعلى الرغم من شيوع هذه القاعدة وترددها على ألسنة طلاب العلم المعاصرين، وكثرة استشهادهم بها -وذلك فيما يعز على المرء الإتيان به كله، وأمكنه فعل بعضه، ولاسيما في حديثهم عن طلب العلم وآدابه- فإن كتب القواعد الفقهية وكذلك كتب الفقه وأصوله لم تسعفنا بشيء عن حال من ابتكرها أو أول من تكلم بها، بل -إلى ساعتي هذه- لم أقف لها على ذكر في شيء من مؤلفات تلك العلوم.

وهذا لا يعني على ... ـهم بتاتًا، فقد جاء في كلام بعض الفقهاء والأصوليين ما يفيد معناها، ويدل على فحواها.

من ذلك: قول أبي الطيب الصعلوكي (ت 404 هـ) :"إذا كان رِضا الخَلْق معسوره لا يُدْركُ كان ميسورُهُُ لا يُتركُ) [5] ، وقريب منه قول إمام الحرمين الجويني (ت 478 هـ) في كتابه"الغياثي" [6] :"إن المقدور عليه لا يسقط بسقوط المعجوز عنه"، وقال الماوردي (ت 450 هـ) في كتابه"الحاوي" [7] :"العجز عن بعض الواجبات لا يسقط ما بقي منها"وفي"المغني" [8] لابن قدامة:"لا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها"وأيضًا قول للقرافي في"الفروق" [9] :"إن المتعذر يسقط اعتباره؛ والممكن يستصحب فيه التكليف"، و في"المنثور" [10] للزركشي:"البعض المقدور عليه هل يجب؟"، وبعبارة أخرى:"من قدر على بعض الشيء لزمه" [11] ."

وقال العز بن عبد السلام (ت 660 هـ) -كالجامع لما ذكر في تلك القواعد- [12] :"إن من كُلِّف بشيء من الطاعات فقدر على بعضه وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما قَدِر عليه، ويسقط عنه ما عَجَز عنه". ثم صاغها في موضع آخر -لتكون قاعدة- بصياغة مركزة محكمة، فقال:"لا يسقط ميسور بمعسوره" [13] ، ثم تناقلها من بعده فاشتهرت بلفظ:"الميسور لا يسقط بالمعسور" [14] .

(1) (5/ 380) ، و (6/ 517) .

(4) تيسير الكريم الرحمن (ص 651) .

(5) انظر نسبة هذه المقالة إليه في: طبقات الشافعية الكبرى (4/ 398) .

(6) (ص 337) .

(8) (1/ 137) ، وانظر: موسوعة القواعد الفقهية (8/ 953) .

(9) (3/ 198) وبهامشه تهذيب الفروق والقواعد السنية لابن حسين (3/ 226) .

(11) في الأشباه والنظائر لابن الوكيل (1/ 386) :"القادر على بعض الواجب في صور"ثم ساقها.

وفي شرح منهاج النووي للمحلي (2/ 35) ونهاية المحتاج (3/ 119) :"المحافظة على الواجب بقدر الإمكان".

(12) قواعد الأحكام في مصالح الأنام (2/ 7) .

(13) المصدر نفسه (2/ 23) .

(14) انظر هذه القاعدة في: الغاية القصوى للبيضاوي (1/ 238) ، والأشباه والنظائر لابن السبكي (1/ 155) ، والقواعد للحصني (2/ 48) ، والأشبا 5 والنظائر للسيوطي (ص 293) ، والميزان للشعراني (1/ 210) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت