الصفحة 64 من 64

لا يكلف نفسًا إلا وسعها، والوسع دون الطاقة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) [الحج: 78] [1] .

2 -أن حقوق الآدميين إذا أدى بعضها وعجز عن باقيها، لم يسقط المعجوز عنه، فإن كان عجزه بتفريط منه في رده طولب به في الآخرة، وأخذ لأصحابه بقدر حقوقهم من حسناته، وإن كان بغير تفريط منه فإنه لا يُهمل هذا الحق قطعًا، لحديث: (الدواوين ثلاثة: فديوان لا يغفر الله منه شيئًا، وديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئا) إلى أن قال: (وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا فمظالم العباد بينهم، والقصاص لا محالة) أخرجه أحمد والحاكم وصححه.

فقوله: (والقصاص لا محالة) "أي: لابد أن يطالب بها حتى يقص القصاص من بعضهم لبعض" [2] .

وللاهتمام بحقوق المخلوقين مع بعضهم جعل تفويت بعض الحق موجبًا لضمان جميعه إذا كان الإتلاف مخلًا بالمقصود الأعظم من المتلف، كما لو غصب عبدًا فأبق، أو حنطة فأصابها بللٌ فاحش، ضمن، مع بقاء التقرب في الأول بالعتق، وبقاء المالية في الثاني لكن جل المقصود ذهب، ومن الضوابط في الضمان"إذا ذهب جل منفعة الشيء يضمن الجميع" [3] .

وأجيب عنه: بأن هذه القاعدة يتوجه إعمالها في التكاليف الشرعية التي هي حق لله تعالى؛ لأن حقوق الله تعالى يدخلها العفو والمساحة، لقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) [النساء: 48، 116] .

بخلاف حقوق الآدميين فإن مبناها على المشاحة؛ لفقرهم وحاجتهم، لذلك فإنها لا تسقط إلا بإذن من له الحق، وهو المخلوق، حتى لو تاب المكلف وعليه حقوق للعباد فلا تكمل توبته إلا برد الحقوق إلى أصحابها، أو إبرائه منها [4] .

ثم ما ذكروا من التعليل لا يمنع من إعمال القاعدة في بعض حقوق العباد، ولو بقيت

(1) مفاتيح الغيب (8/ 177) بتصرف.

(2) فيض القدير (3/ 552) وانظر أيضًا: مرقاة المفاتيح للقاري (8/ 858) .

(3) انظر: الفروق للقرافي (4/ 30، 31) .

(4) انظر: الفروق للقرافي (3/ 174) ، وكشاف القناع (4/ 108) ، ورياض الصالحين بشرح ابن عثيمين (1/ 77) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت