فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 306

قدرت لئلا تضل أحداهما لم يستقم العطف فتذكر إحداهما عليه وأن قدرت حذار أن تضل إحداهما لم يستقم العطف أيضا وإن قدرت إرادة أن تضل لم تصح أيضا

قيل هذا من الكلام الذي ظهور معناه مزيل للإشكال فإن المقصود إذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت ونسيت فلما كان الضلال سببا للإذكار جعل موضع العلة كما تقول أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه بها فإنما أعددتها للدعم لا للميل وأعددت هذا الدواء أن أمرض فأتداوى به ونحوه وهذا قول سيبويه والبصريين قال أهل الكوفة تقديره كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت فلما تقدم الجزاء اتصل بما قبله ففتحت أن قال الفراء ومثله قوله ليعجبني أن يسأل السائل فيعطي معناه ليعجبني أن يعطي السائل إن سأل لأنه إنما يعجبه الإعطاء لا السؤال من ذلك قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بل شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم فذكر سبحانه من حكم أخذ الميثاق عليهم أن لا يحتجوا يوم القيامة بغفلتهم عن هذا الأمر ولا بتقليد الأسلاف ومنه قوله وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت فالضمير في به للقرآن وأن تبسل في محل نصب على أنه مفعول له أي حذار أن تسلم نفس إلى الهلكة والعذاب وترتهن بسوء عملها

فصل

النوع السادس ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو من أجل كقوله من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا وقد ظنت طائفة أن قوله من أجل ذلك تعليل لقوله فأصبح من النادمين أي من أجل قتله لأخيه وهذا ليس بشيء لأنه يشوش صحة النظم وتقل الفائدة بذكره ويذهب شأن التعليل بذلك للكتابة المذكورة وتعظيم شأن القتل حين جعل علة لهذا الكتابة فتأمله فإن قلت كيف يكون قتل أحد بني آدم للآخر علة لحكمه على أمة أخرى بذلك الحكم وإذا كان علة فكيف كان قاتل نفس واحدة بمنزلة قاتل الناس كلهم قلت الرب سبحانه يجعل أقضيته واقداره عللا وأسبابا لشرعة وأمره فجعل حكمه الكوني القدري علة لحكمه الديني الأمري وذلك أن القتل عنده لما كان من أعلى أنواع الظلم والفساد فخم أمره وعظم شأنه وجعل إثمه أعظم من إثم غيره ونزل قاتل النفس الواحدة منزلة قاتل الأنفس كلها ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبه بمنزلة المشبه به من كل الوجوه فإذا كان قاتل الأنفس كلها يصلى النار وقاتل النفس الواحدة يصلاها صح تشبيهه به كما يأثم من شرب قطرة واحدة من الخمر ومن شرب عدة قناطير وإن اختلف مقدار الإثم وكذلك من زنى مرة واحدة وآخر زنا مرارا كثيرة كلاهما آثم وإن أختلف قدر الإثم وهذا معنى قول مجاهد من قتل نفسا واحدة يصلى النار بقتلها كما يصلاها من قتل الناس جميعا وعلى هذا فالتشبيه في أصل العذاب لا في وصفه وإن شئت قلت التشبيه في أصل العقوبة الدنيوية وقدرها فإنه لا يختلف بقلة القتل وكثرته كما لو شرب قطرة فإن حده حد من شرب راوية ومن زنى بامرأة واحدة حده حد من زنى بألف وهذا تأويل الحسن وابن زيد قالا يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذ ي يجب عليه لو قتل الناس جميعا ولك أن تجعل التشبيه في الأذى والغم الواصل إلى المؤمنين بقتل الواحد منهم فقد جعلهم كلهم خصماءه وأوصل إليهم من الأذى والغم ما يشبه القتل وهذا تأويل ابن الأنباري وفي الآية تأويلات أخر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت