فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 306

الأنواع لو استوعبناه لجاء كتابا مفردا

النوع الثالث عشر امره سبحانه بتدبر كلامه والتفكر فيه وفي أوامره ونواهيه وزواجره ولولا ما تضمنه من الحكم والمصالح والغايات المطلوبة والعواقب الحميدة التي هي محل الفكر لما كان للتفكير فيه معنى وإنما دعاهم إلى التفكر والتدبر ليطلعهم ذلك على حكمته البالغة ما فيه من الغايات والمصالح المحمودة التي توجب لمن عرفها إقراره بأنه تنزيل من حكيم حميد فلو كان الحق ما يقوله النفاة وأن مرجع ذلك وتصوره مجرد القدرة والمشيئة التي يجوز عليها تأييد الكاذب بالمعجزة ونصره وأعلائه وإهانة الحق وإذلاله وكسره لما كان في التدبر والتفكر مما يدلهم على صدق رسله ويقيم عليهم حجته وكان غاية ما دعوا إليه القدر المحض وذلك مشترك بين الصادق والكاذب والبر والفاجر فهؤلاء بإنكارهم الحكمة والتعليل سدوا على نفوسهم باب الإيمان والهدى وفتحوا عليهم باب المكابرة وجحد الضروريات فإن ما في خلق الله وأمره من الحكم والمصالح المقصودة بالخلق والأمر والغايات الحميدة أمر تشهد به الفطره والعقول ولا ينكره سليم الفطرة وهم لا ينكرون ذلك وإنما يقولون وقع بطريق الاتفاق لا بالقصد كما تسقط خشبة عظيمة فيتفق عبور حيوان مؤذ تحتها فتهلكه ولا ريب أن هذا ينفي حمد الرب سبحانه على حصول هذه المنافع والحكم لأنها لم تحصل بقصده وارادته بل بطريق الاتفاق الذي لا يحمد عليه صاحبه ولا يثنى عليه بل هو عندهم بمثابة ما لو رمى درهما لا لغرض ولا لفائدة بل لمجرد قدرته ومشيئته على طرحه فاتفق أن وقع في يد محتاج انتفع به فهذا من شأنه الحكم والمصالح عند المنكرين

النوع الرابع عشر اخباره عن صدور الخلق والأمر عن حكمته وعلمه فيذكر هذين الإسمين عند ذكر مصدر خلقه وشرعه تنبيها على أنهما إنما صدرا عن حكمة مقصودة مقارنة للعلم المحيط التام لقوله وإنك لتلقي القرآن من لدن حكيم عليم وقوله تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم فذكره العزة المتضمنة لكمال القدرة والتصرف والحكمة المتضمنة لكمال الحمد والعلم وقوله والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم وسمع بعض الأعراب قارئا يقرأها والله غفور رحيم فقال ليس هذا كلام الله فقال أتكذب بالقرآن فقال لا ولكن لا يحسن هذا فرجع القارئ إلى خطئه فقال عزيز حكيم فقال صدقت وإذا تأملت ختم الآيات بالأسماء والصفات وجدت كلامه مختتما بذكر الصفة التي يقتضيها ذلك المقام حتى كأنها ذكرت دليلا عليه وموجبة له وهذا كقوله إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم أي فإن مغفرتك لهم مصدر عن عزة هي كمال القدرة لا عن عجز وجهل وقوله ذلك تقدير العزيز العليم في عدة مواضع من القرآن يذكر ذلك عقيب ذكره الإجرام العلوية وما تضمنه من فلق الأصباح وجعل الليل مسكنا وإجراء الشمس والقمر بحساب لا يعدوانه وتزيين السماء الدنيا بالنجوم وحراستها وأخبر أن هذا التقدير المحكم المتقن صادر عن عزته وعلمه ليس أمرا اتفاقيا لا يمدح به فاعله ولا يثنى عليه به كسائر الأمور الاتفاقية ومن هذا ختمه سبحانه قصص الأنبياء وأممهم في سورة الشعراء عقيب كل قصة وإن ربك لهم العزيز الحكيم فإن ما حكم به لرسله وابتباعهم ولأعدائهم صادر عن عزة ورحمة فوضع الرحمة في محلها وانتقم من أعدائه بعزته ونجى رسله وأتباعهم برحمته والحكمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت