فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 617

جميع ذلك وعلى كل ما خلقه ويخلقه لما له فيه من الحكم والغايات المحمودة المقصودة بالفعل وأما نفاة الحكمة والأسباب من مثبتي القدر فهم في الحقيقة لا يثبتون له حمدا كما لا يثبتون له الحكمة فإن الحمد من لوازم الحكمة والحكمة إنما تكون في حق من يفعل شيئا لشيء فيريد بما يفعله الحكمة الناشئة من فعله فأما من لا يفعل شيئا لشيء البتة فلا يتصور في حقه الحكمة وهؤلاء يقولون ليس في افعاله وأحكامه لام التعليل وما اقترن بالمفعولات من قوى وطبائع ومصالح فإنما اقترنت بها اقترانا عاديا لا أن هذا كان لأجل هذا ولا نشأ السبب لأجل المسبب بل لا سبب عندهم ولا مسبب البتة إن هو إلا محض المشيئة وصرف الإراة التي ترجح مثلا على مثل بل لا مرجح أصلا وليس عندهم في الأجسام طبائع وقوى تكون أسبابا لحركاتها ولا في العين قوة امتازت بها على الرجل يبصر بها ولا في القلب قوة يعقل بها امتاز بها عن الظهر بل خص سبحانه أحد الجسمين بالرؤية والعقل والذوق تخصيصا لمثل على مثل بلا سبب أصلا ولا حكمة فهؤلاء لم يثبتوا له كمال الحمد كما لم يثبت له أولئك كمال الملك وكلا القولين منكر عند السلف وجمهور الأمة ولهذا كان منكرو الأسباب والقوى والطبائع يقولون العقل نوع من العلوم الضرورية كما قاله القاضيان أبو بكر بن الطيب وأبو يعلى بن الفراء وأتباعهما وقد نص أحمد على أنه غريزة وكذلك الحارث المحاسبي وغيرهما فأولئك لا يثبتون غريزة ولا قوة ولا طبيعة ولا سببا وأبطلوا مسميات هذه الأسماء جملة وقالوا إن ما في الشريعة من المصالح والحكم لم يشرع الرب سبحانه ما شرع من الأحكام لأجلها بل اتفق اقترانها بها أمرا اتفاقيا كما قالوا نظير ذلك في المخلوقات سواء والعلل عندهم أمارات محضة لمجرد الاقتران الاتفاقي وهم فريقان أحدهما لا يعرجون على المناسبات ولا يثبتون العلل بها البتة وإنما يعتمدون على تأثير العلة بنص أو إجماع فإن فقدوا فزعوا إلى الأقيسة الشبيهة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت