فهرس الكتاب

الصفحة 192 من 617

والفريق الثاني أصلحوا المذهب بعض الإصلاح وقربوه بعض الشيء وأزالوا تلك النفرة عنه فأثبتوا الأحكام بالعلل والعلل بالمناسبات والمصالح ولم يمكنهم الكلام في الفقه إلا بذلك ولكن جعلوا اقتران أحكام تلك العلل والمناسبات بها اقترانا عاديا غير مقصود في نفسه والعلل والمناسبات أمارات ذلك الاقتران وهؤلاء يستدلون على إثبات علم الرب بما في مخلوقاته من الأحكام والإتقان والمصالح وهذا تناقض بين منهم فإن ذلك إنما يدل إذا كان الفاعل يقصد أن يفعل الفعل على وجه مخصوص لأجل الحكمة المطلوبة منه وأما من لم يفعل لأجل ذلك الإحكام والإتقان وإنما اتفق اقترانه بمفعولاته عادة فإن ذلك الفعل لا يدل على العلم ففي أفعال الحيوانات من الإحكام والإتقان والحكم ما هو معروف لمن تأمله ولكن لما لم تكن تلك الحكم والمصالح مقصودة لها لم تدل على علمها والمقصود أن هؤلاء إذا قالوا إنه تعالى لا يفعل لحكمة امتنع عندهم أن يكون الإحكام دليلا على العلم وأيضا فعلى قولهم يمتنع أن يحمد على فعله لأمر ما حصل للعباد من نفع فهو سبحانه لم يقصد بما خلقه نفعهم ولا خلقه لنفعهم ومصالحهم بل إنما أراد مجرد وجوده لا لأجل كذا ولا لنفع أحد ولا لضره فكيف يتصور في حق من يكون فعله ذلك حمد فلا يحمد على فعل عدل ولا على ترك ظلم لأن الظلم عندهم هو الممتنع الذي لا يدخل في المقدور وذلك لا يمدح أحد على تركه وكل ما أمكن وجوده فهو عندهم عدل فالظلم مستحيل عندهم إذ هو عبارة عن الممتنع المستحيل لذاته الذي لا يدخل تحت المقدور ولا يتصور فيه ترك اختياري فلا يتيعلق به حمد وإخباره تعالى عن نفسه بقيامه بالقسط حقيقته عندهم مجرد كونه فاعلا لا أن هناك شيا هو قسط في نفسه يمكن وجود ضده وكذلك قوله وما ربك بظلام للعبيد نفي عندهم لما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت