فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 617

محي أثر الذنب بالتوبة صار وجوده كعدمه فكأنه لم يكن فيعود إلى مثل حاله قالوا ولأن التوبة هي الرجوع إلى الله بعد الإباق منه فإن المعصية إباق العبد من ربه فإذا تاب إلى الله فقد رجع إليه وإذا كان مسمى التوبة هو الرجوع فلو لم يعد إلى حالته الأولى مع الله لم تكن توبته تامة والكلام إنما هو في التوبة النصوح قالوا ولأن التوبة كما ترفع اثر الذنب في الحال بالإقلاع عنه وفي المستقبل بالعزم على أن لا يعود فكذلك ترفع أثره في الماضي جملة ومن أثره في الماضي انحطاط منزلته عند الله ونقصانه عنده فلا بد من ارتفاع هذا الأثر بالتوبة وإذا ارتفع بها عاد إلى مثل حاله قالوا ولأنه لو بقي نازلا من مرتبته منحطا عن منزلته بعد التوبة كما كان قبلها لم تكن التوبة قد محت أثر الذنب ولا أفادت في الماضي شيئا وإن عاد إلى دون منزلته ولم يبلغها فبلوغه تلك الدرجة إنما كان بالتوبة فلو ضعف تأثير التوبة عن إعادته إلى منزلته الأولى لضعف عن تبليغه تلك المنزلة التي وصل إليها وإن لم تكن التوبة ضعيفة التأثير عن تبليغه تلك المنزلة لم تكن ضعيفة التأثير عن إعادته إلى المنزلة الأولى قالوا وأيضا ربط سبحانه الجزاء بالأعمال ربط الأسباب بمسبباتها فالجزاء من جنس العمل فكما رجع التائب إلى الله بقلبه رجوعا تاما رجع الله عليه بمنزلته وحاله بل ما رجع العبد إلى الله حتى رجع بقلبه إليه أولا فرجع الله إليه وتاب عليه ثانيا فتوبة العبد محفوفة بتوبتين من الله توبة منه إذنا وتمكينا تاب بها العبد وتاب الله عليه قبولا ورضى فتوبة العبد بين توبتين من الله وهذا يدل على عنايته سبحانه وبره ولطفه بعبده التائب فكيف يقال إنه لا يعيده مع هذا اللطف والبر إلى حاله قالوا وأيضا فإن التوبة من أجل الطاعات وأوجبها على المؤمنين وأعظمها غناء عنهم وهم إليها أحوج من كل شيء وهي من أحب الطاعات إلى الله فإنه يحب التوابين ويفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله وإذا كانت بهذه المثابة فالآتي بها آت بما هو من أفضل القربات وأجل الطاعات فإذا كان قد حصل له بالمعصية انحطاط ونزول مرتبة فبالتوبة يحصل له مزيد تقدم وعلو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت