فهرس الكتاب
والنفس المطمئنة بربها فكل إرادة منها تسير به مراحل على مهله فهو يسير رويدا وقد سبق السعادة كما قيل
من لي بمثل سيرك المذلل ... تمشي رويدا وتجي في الأول
قالوا وأيضا فإن هذه الدواعي والإرادات إنما تحمد عاقبتها إذا ردت صاحبها إلى حال السليم منها فيكون كماله في تشبهه به وسيره معه فكيف يكون أكمل ممن كماله إنما هو في تشبهه به قالوا وأيضا فالنفوس ثلاثة أمارة ولوامه ومطمئنة والنفس الأمارة هي المطيعة لدواعي طباعها وشهواتها فمبادىء كونها أمارة هي تلك الدواعي والإرادات فتستحكم فتصير عزمات ثم توجب الأفعال فمبدأ صفة الذم فيها تلك الدواعي وأما النفس المطمئنة فهي التي عدمت هذه المبادىء فعدمت غاياتها فكيف تكون مباي النفس الأمارة مما يوجب لها مزية على النفس المطمئنة فهذا ونحوه مما احتجت به هذه الطائفة أيضا لقولها
والحق أن كلا الطائفتين على صواب من القول لكن كل فرقة لحظت غير ملحظ الفرقة الآخرى فكأنهما لم يتواردا على محل واحد بل الفرقة الأولى نظرت إلى نهاية سير المجاهد لنفسه وإرادته وما ترتب له عليها من الأحوال والمقامات فأوجب لها شهود نهايته رجحانه فحكمت بترجيحه واستحلت بتفضيله والفرق ةالثانية نظرت إلى بدايته في شأنه ذلك ونهاية النفس المطمئنة فأوجب لها شهود الأمرين الحكم بترجيح القلب الخالي من تلك الدواعي ومجاهدتها كل واحدة من الطائفتين قد أدلت بحجج لا تمانع وأتت ببينات لا ترد ولا تدافع وفصل الخطاب في هذه المسألة يظهر بمسألة يرتضع معها من لبانها ويخرج من مشكاتها وهي أن العبد إذا كان له حال أو مقام مع الله ثم نزل عنه إلى ذنب ارتكبه ثم تاب من ذنبه هل يعود إلى مثل ما كان أو لا يعود بل إن رجع رجع إلى أنزل من مقامه وأنقص من رتبته أو يعود خيرا مما كان فقالت طائفة يعود بالتوبة إلى مثل حاله الأولى فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وإذا