فهرس الكتاب
محب يجتاز على الرقباء فيطرقون من هيبته وخشيته ولا يرفع أحد منهم رأسه إليه وبين محب إذا اجتاز بالرقباء هاشوا عليه كالزنابير أو الكلاب فاشتغل بدفعهم وحرابهم أو جد في الهرب منهم فكيف يسوي هذا بهذا أن كيف يفضل عليه مع هذا التباين قالوا وأيضا فالمحبة الخالصة الصادقة حقيقتها أنها نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب وإذا احترق ما سوى مراده عدم وذهب أثره فإذا بقي في القلب شيء من سوى مراده لم تكن المحبة تامة ولا صادقة بل هي محبة مشوبة بغيرها فالمحب الصادق ليس في قلبه سوى مراد محبوبه حتى ينازعه ويدافعه والآخر في قلبه بقية لغير المحبوب فهو جاهد على إخراجها وإعدامها قالوا وأيضا فالواردات الإلهية ترد على القلوب على قدر استعدادها وقبولها فإذا صادفت القلب خاليا فارغا من العوارض والمنازعات ودواعي الطبع والهوى ملأته على قدر فراغه وإذا امتلأ منها لم يبق لأضدادها وأعدائها فيه مسلك وإذا صادفت فيه موضعا مشغولا بغير من الأغيار لم يساكن ذلك الموضع فيدخل الضد والعدو من تلك الثلمة كما قال القائل
لا كان من لسواك فيه بقية ... يجد السبيل بل إليه العذل
وقال
ومهما بقي للصحو فيه بقية ... يجد نحوك اللاحي سبيلا إلى العذل
قالوا وأيضا فدواعي الطبع وإرادات النفس وشهواتها مصدرها إما جهل وإما ضعف فإنها لا تصدر إلا من جهل العبد بأثارها وموجباتها أو يكون عالما بذلك لكن فيه ضعف وعجز يمنعه عن محوها من قلبه بالكلية وما كانت سببه جهلا أو عجزا لا يكون كمالا ولا مستلزما لكمال وأما القلب الخالي منها ومن الاشتغال بدفعها فقلب شريف قوي علوي رفيع قالوا وأيضا فهذه الإرادات والدواعي لا تسير العبد بل إما أن تنكسه إن أجابها وإما أن تعوقه وتوقفه إن اشتغل بمدافعتها وأما إرادات القلب السليم منها