فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 617

والمنازعة قالوا كما لو كان رجلان مسافرين في طريق فطلع على أحدهما قاطع اشتغل بدفعه عن نفسه ومحاربته ليتمكن من سيره والآخر سائر لم يعرض له قاطع بل هو على جادة سيره فإن هذا يقطع من المسافة أكثر مما يقطع الأول ويقرب إلى الغاية أكثر من قربه قالوا وأيضا فإن للقلب قوة يسير بها فإذا صرف تلك القوة في دفع العوارض والدواعي القاطعة له عن السير اشتغل قلبه بدفها عن السير في زمن المدافعة

قالوا ولأن المقصود بالقصد الأول إنما هو السير إلىالله والاشتغال بدفع العوارض مقصود لغيره فالاشتغال بالمقصود لنفسه أولى وأفضل من الاشتغال بالوسيلة قالوا وأيضا فالعوارض المانعة للقلب من سيره هي من باب المرض واجتماع القلب على الله وطمأنينته به وسكونه إليه بلا منازع ولا جاذب ولا معارض هو صحته وحياته ونعيمه فكيف يكون القلب الذي يعرض له مرض وهو مشغل بدوائه أفضل من القلب الذي لا داء به ولا علة قالوا وأيضا فهذه الدواعي والميول والإرادات التي في القلب تقتضي جذبه وتعويقه عن وجه سيره وما فيه من داعي المحبة والإيمان يقتضي حذبه عن طريقها فتتعارض الجواذب فإن لم توقفه عوقته ولا بد فأين السير بلا معوق من السير مع المعوق

قالوا وأيضا فالذي يسير العبد بإذن ربه إنما هو همته والهمة إذا علت وارتفعت لم تلحقها القواطع والآفات كالطائر إذا علا وارتفع في الجو فات الرماة ولم يلحقه الحصا ولا البنادق ولا السهام وإنما تدرك هذه الأشياء للطائر إذا لم يكن عاليا فكذلك الهمة العالية قد فاتت الجوارح والكواسر وإنما تلحق الآفات والدواعي والإرادات الهمة النازلة فأما إذا علت فلا تلحقها الآفات قالوا وأيضا فالحس والوجود شاهد بأن قلب المحب متى خلا من غير المحبوب واجتمعت شؤونه كلها على محبوبه ولم يبق فيه التفات إلى غيره كان أكمل محبة من القلب الملتفت إلى الرقباء المهتم بمحاربتهم ومدافعتهم والهرب منهم والتواري عنهم قالوا فكم بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت