فهرس الكتاب
والمنازعة قالوا كما لو كان رجلان مسافرين في طريق فطلع على أحدهما قاطع اشتغل بدفعه عن نفسه ومحاربته ليتمكن من سيره والآخر سائر لم يعرض له قاطع بل هو على جادة سيره فإن هذا يقطع من المسافة أكثر مما يقطع الأول ويقرب إلى الغاية أكثر من قربه قالوا وأيضا فإن للقلب قوة يسير بها فإذا صرف تلك القوة في دفع العوارض والدواعي القاطعة له عن السير اشتغل قلبه بدفها عن السير في زمن المدافعة
قالوا ولأن المقصود بالقصد الأول إنما هو السير إلىالله والاشتغال بدفع العوارض مقصود لغيره فالاشتغال بالمقصود لنفسه أولى وأفضل من الاشتغال بالوسيلة قالوا وأيضا فالعوارض المانعة للقلب من سيره هي من باب المرض واجتماع القلب على الله وطمأنينته به وسكونه إليه بلا منازع ولا جاذب ولا معارض هو صحته وحياته ونعيمه فكيف يكون القلب الذي يعرض له مرض وهو مشغل بدوائه أفضل من القلب الذي لا داء به ولا علة قالوا وأيضا فهذه الدواعي والميول والإرادات التي في القلب تقتضي جذبه وتعويقه عن وجه سيره وما فيه من داعي المحبة والإيمان يقتضي حذبه عن طريقها فتتعارض الجواذب فإن لم توقفه عوقته ولا بد فأين السير بلا معوق من السير مع المعوق
قالوا وأيضا فالذي يسير العبد بإذن ربه إنما هو همته والهمة إذا علت وارتفعت لم تلحقها القواطع والآفات كالطائر إذا علا وارتفع في الجو فات الرماة ولم يلحقه الحصا ولا البنادق ولا السهام وإنما تدرك هذه الأشياء للطائر إذا لم يكن عاليا فكذلك الهمة العالية قد فاتت الجوارح والكواسر وإنما تلحق الآفات والدواعي والإرادات الهمة النازلة فأما إذا علت فلا تلحقها الآفات قالوا وأيضا فالحس والوجود شاهد بأن قلب المحب متى خلا من غير المحبوب واجتمعت شؤونه كلها على محبوبه ولم يبق فيه التفات إلى غيره كان أكمل محبة من القلب الملتفت إلى الرقباء المهتم بمحاربتهم ومدافعتهم والهرب منهم والتواري عنهم قالوا فكم بين