فهرس الكتاب
توقع المكروه وهذا إنما يكون في الأفعال والمفعولات وبهذا يعلم بطلان قول من زعم أنه سبحانه يخاف لا لعلة ولا لسبب بل كما يخاف السيل الذي لا يدري العبد من أين يأتيه وهذا بناء من هؤلاء على نفي محبته سبحانه وحكمته وأنه ليس إلا محض المشيئة والإرادة التي ترجح مثلا على مثل بلا مرجح ولا يراعي فيها حكمة ولا مصلحة وهؤلاء عندهم الخوف يتعلق بنفس الذات من غير نظر إلى فعل العبد وأنه سبب المخافة إذ ليس عندهم سبب ولا حكمة بل إرادة محضة يفعل بها ما يشاء من تنعيم وتعذيب وعند هؤلاء فالخوف لازم للعبد في كل حال أحسن أم أساء وليس لأفعاله تأثير في الخوف وهذا من قلة نصيبهم من المعرفة بالله وكماله وحكمته وأين هذا من قول أمير المؤمنين علي لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه فجعل الرجاء متعلقا بالرب سبحانه وتعالى لأن رحمته من لوازم ذاته وهي سبقت غضبه وأما الخوف فمتعلق بالذنب فهو سبب المخافة حتى لو قدر عدم الذنب بالكلية لم تكن مخافة
فإن قيل فما وجه خوف الملائكة وهم معصومون من الذنوب التي هي أسباب المخافة وشدة خوف النبي مع علمه بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأنه أقرب الخلق إلى الله قيل عن هذا أربعة أجوبه
الجواب الأول أن هذا الخوف على حسب القرب من الله والمنزلة عنده وكلما كان العبد أقرب إلى الله كان خوفه منه أشد لأنه يطالب بما لا يطالب به غيره ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره ونظير هذا في المشاهد أن الماثل بين يدي أحد الملوك المشاهد له أشد خوفا منه من البعد عنه بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه وأنه يطالب من حقوق الخدمة وأدائها بما لا يطالب به