فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 617

توقع المكروه وهذا إنما يكون في الأفعال والمفعولات وبهذا يعلم بطلان قول من زعم أنه سبحانه يخاف لا لعلة ولا لسبب بل كما يخاف السيل الذي لا يدري العبد من أين يأتيه وهذا بناء من هؤلاء على نفي محبته سبحانه وحكمته وأنه ليس إلا محض المشيئة والإرادة التي ترجح مثلا على مثل بلا مرجح ولا يراعي فيها حكمة ولا مصلحة وهؤلاء عندهم الخوف يتعلق بنفس الذات من غير نظر إلى فعل العبد وأنه سبب المخافة إذ ليس عندهم سبب ولا حكمة بل إرادة محضة يفعل بها ما يشاء من تنعيم وتعذيب وعند هؤلاء فالخوف لازم للعبد في كل حال أحسن أم أساء وليس لأفعاله تأثير في الخوف وهذا من قلة نصيبهم من المعرفة بالله وكماله وحكمته وأين هذا من قول أمير المؤمنين علي لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن إلا ذنبه فجعل الرجاء متعلقا بالرب سبحانه وتعالى لأن رحمته من لوازم ذاته وهي سبقت غضبه وأما الخوف فمتعلق بالذنب فهو سبب المخافة حتى لو قدر عدم الذنب بالكلية لم تكن مخافة

فإن قيل فما وجه خوف الملائكة وهم معصومون من الذنوب التي هي أسباب المخافة وشدة خوف النبي مع علمه بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأنه أقرب الخلق إلى الله قيل عن هذا أربعة أجوبه

الجواب الأول أن هذا الخوف على حسب القرب من الله والمنزلة عنده وكلما كان العبد أقرب إلى الله كان خوفه منه أشد لأنه يطالب بما لا يطالب به غيره ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره ونظير هذا في المشاهد أن الماثل بين يدي أحد الملوك المشاهد له أشد خوفا منه من البعد عنه بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه وأنه يطالب من حقوق الخدمة وأدائها بما لا يطالب به

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت