فهرس الكتاب
مباشرته له فلا يفوت عليه عزمه ونيته لفعله وأيضا فإنه إذا فات عليه كان في غيره من الطاعات والقربات عوض منه إما مساو له وإما أزيد وإما دونه فمتى أتى بالعوض وعلم الله من نيته وعزيمته الصادقة إرادته لذلك العمل الفائت أعطاه الله ثوابه وثواب ما تعوض به عنه فجمع له الأمرين وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم وأيضا فإن المقصود رغبة العبد في التقرب إلى الله وابتغاء الوسيلة إليه والمنافسة في محابه والإيثار بهذا التقرب يدل على رغبته عنه وتركه له وعدم المنافسة فيه وهذا بخلاف ما يحتاج إليه العبد من طعامه وشرابه ولباسه إذا كان أخوه محتاجا إليه فإذا اختص به أحدهما فات الآخر فندب الله عبده إذا وجد من نفسه قوة وصبرا على الإيثار به ما لم يخرم عليه دينا أو يجلب له مفسدة أو يقطع عليه طريقا عزم على سلوكه إلى ربه أو شوش عليه قلبه بحيث يجعله متعلقا بالخلق فمفسدة إيثار هذا أرجح من مصلحته فإذا ترجحت مصلحة الإيثار بحيث تتضمم إنقاذ نفسه من هلكة أو عطب أو شدة ضرورة وليس للمؤثر نظيرها تعين عليه الإيثار فإن كان به نظيرها لم يتعين عليه الإيثار ولكن لو فعله لكان غاية الكرم والسخاء والإحسان فإنه من آثر حياة غيره على حياته وضرورة على ضرورته فقد استولى على أمد الكرم والسخاء وجاوز أقصاه وضرب فيه بأوفر الحظ وفي هذا الموضع مسائل فقهية ليس هذا موضع ذكرها فإن قيل فما الذي يسهل على النفس هذا الإيثار فإن النفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار قيل يسهله أمور
أحدها رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها فإن من أفضل أخلاق الرجل وأشرفها وأعلاها الإيثار وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبه ومحبته كما جبلها على بغض المستأثر ومقته لا تبديل لخلق الله والأخلاق ثلاثة خلق الإيثار وهو خلق الفضل وخلق القسمة والتسوية وهو خلق العدل وخلق الاستئثار والاستبداد وهو خلق الظلم فصاحب