فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 617

محبوبها لمحبوب الله وعلامة هذا الإيثار شيئان أحدهما فعل ما يحب الله إذا كانت النفس تكرهه وتهرب منه الثاني ترك ما يكرهه إذا كانت النفس تحبه وتهواه فبهذين الأمرين يصح مقام الإيثار ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعي العادة والطبع فالمحنة فيه عظيمة والمؤنة فيه شديدة والنفس عنه ضعيفة ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلا به وإنه ليسير على من يسره الله عليه فحقيق بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى وأن يشمر إليه وإن عظمت فيه المحنة ويحمل فيه خطرا يسير لملك عظيم وفوز كبير فإن ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال ويسير منه يرقي العبد ويسيره ما لا يرقى غيره إليه في المدد المتطاولة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولا تتحقق المحبة إلا بهذا الإيثار والذي يسهله على العبد أمور أحدها أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة ليست بجافية ولا قاسية بل تنقاد معه بسهولة الثاني أن يكون إيمانه راسخا ويقينه قويا فإن هذا ثمرة الإيمان ونتيجته الثالث قوة صبره وثباته فبهذه الأمور الثلاثة ينهض إلى هذا المقام ويسهل عليه دركه والنقص والتخلف في النفس عن هذا يكون من أمرين أن تكون جامدة غير سريعة الإدراك بل بطيئة ولا تكاد ترى حقيقة الشيء إلا بعد عسر وإن رأتها اقترنت به الأوهام والشكوك والشبهات والاحتمالات فلا يتخلص له رؤيتها وعيانها الثاني أن تكون القريحة وقادة دراكة لكن النفس ضعيفة مهينة إذا أبصرت الحق والرشد ضعفت عن إيثاره فصاحبها يسوقها سوق العليل المريض كلما ساقه خطوة وقف خطوة أو كسوق الطفل الصغير الذي تعلقت نفسه بشهواته ومألوفاته فهو يسوقه إلى رشده وهو ملتفت إلى لهوه ولعبه لا ينساق معه إلا كرها فإذا رزق العبد قريحة وقادة وطبيعة منقادة إذا زجرها انزجرت وإذا قادها انقادت بسهولة وسرعة ولين وارتدى مع ذلك بعلم نافع وإيمان راسخ أقبلت إليه وفود السعادة من كل جانب

ولما كانت هذه القرائح والطبائع ثابتة للصحابة رضي الله عنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت