فهرس الكتاب
محبوبها لمحبوب الله وعلامة هذا الإيثار شيئان أحدهما فعل ما يحب الله إذا كانت النفس تكرهه وتهرب منه الثاني ترك ما يكرهه إذا كانت النفس تحبه وتهواه فبهذين الأمرين يصح مقام الإيثار ومؤنة هذا الإيثار شديدة لغلبة الأغيار وقوة داعي العادة والطبع فالمحنة فيه عظيمة والمؤنة فيه شديدة والنفس عنه ضعيفة ولا يتم فلاح العبد وسعادته إلا به وإنه ليسير على من يسره الله عليه فحقيق بالعبد أن يسمو إليه وإن صعب المرتقى وأن يشمر إليه وإن عظمت فيه المحنة ويحمل فيه خطرا يسير لملك عظيم وفوز كبير فإن ثمرة هذا في العاجل والآجل ليست تشبه ثمرة شيء من الأعمال ويسير منه يرقي العبد ويسيره ما لا يرقى غيره إليه في المدد المتطاولة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ولا تتحقق المحبة إلا بهذا الإيثار والذي يسهله على العبد أمور أحدها أن تكون طبيعته لينة منقادة سلسة ليست بجافية ولا قاسية بل تنقاد معه بسهولة الثاني أن يكون إيمانه راسخا ويقينه قويا فإن هذا ثمرة الإيمان ونتيجته الثالث قوة صبره وثباته فبهذه الأمور الثلاثة ينهض إلى هذا المقام ويسهل عليه دركه والنقص والتخلف في النفس عن هذا يكون من أمرين أن تكون جامدة غير سريعة الإدراك بل بطيئة ولا تكاد ترى حقيقة الشيء إلا بعد عسر وإن رأتها اقترنت به الأوهام والشكوك والشبهات والاحتمالات فلا يتخلص له رؤيتها وعيانها الثاني أن تكون القريحة وقادة دراكة لكن النفس ضعيفة مهينة إذا أبصرت الحق والرشد ضعفت عن إيثاره فصاحبها يسوقها سوق العليل المريض كلما ساقه خطوة وقف خطوة أو كسوق الطفل الصغير الذي تعلقت نفسه بشهواته ومألوفاته فهو يسوقه إلى رشده وهو ملتفت إلى لهوه ولعبه لا ينساق معه إلا كرها فإذا رزق العبد قريحة وقادة وطبيعة منقادة إذا زجرها انزجرت وإذا قادها انقادت بسهولة وسرعة ولين وارتدى مع ذلك بعلم نافع وإيمان راسخ أقبلت إليه وفود السعادة من كل جانب
ولما كانت هذه القرائح والطبائع ثابتة للصحابة رضي الله عنهم