حدها وأحكامها وحقيقتها لم يطق أن يعبر عنها ولا يتهيأ له أن يصفها ويصف أحكامها وأكثر المتكلمين فيها إنما تكلموا فيها بلسان العلم لا بلسان الحال وهذا والله أعلم هو معنى قول بعض المشايخ أعظم الناس حجابا عن الله أكثرهم إليه إشارة فإنه إنما حظه من الإشارة إليه لا علوق القلب عليه كالفقير الذي دأبه وصف الأغنياء وأموالهم ووصف الدنيا وممالكها وهو خلو من ذلك ولا ريب أن وجود الحب في القلب وترك الكلام علما خير من كثرة الكلام في هذه المسألة وخلو القلب منها وخير من الرجلين من امتلأ قلبه منها حالا وذوقا وفاضت على لسانه إرشادا وتعليما ونصيحة للأمة فهذا حال الكملة من الناس والله المسؤول من فضله وكرمه
قوله المحبة لا تظهر على المحب بلفظه وإنما تظهر عليه بشمائله ونحوله هذا حق فإن دلالة الحال على المحبة أعظم من دلالة القال عليها بل الدلالة عليها في الحقيقة هو شاهد الحال لا صريح المقال ففرق بين من يقول لك بلسانه إني أحبك ولا شاهد عليه من حاله وبين من هو ساكت لا يتكلم وأنت ترى شواهد أحواله كلها ناطقة بحبه لك قال جعفر قال الجنيد دفع السري إلي رقعة وقال هذه خير لي من سبعمائة قصة وكذا فإذا فيها
ولما ادعيت الحب قالت كذبتني ... فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا
فما الحب حتى يلصق القلب بالحشا ... وتذبل حتى لا تجيب المناديا
وتبخل حتى ليس يبقي لك الهوى ... سوى مقلة تبكي بها وتناجيا
وبالجملة فشاهد الحب الذي لا يكذب هو شاهد الحال وأما شاهد المقال فصادق وكاذب
قوله ولا يفهم حقيقتها من المحب سوى المحبوب لموضع اقتداح الأسرار من القلوب يعني أن حقيقة المحبة وسرها لا يفهمه من المحب إلا