فصل ولا يتصور نشر هذا المقام حق تصوره فضلا عن أن يوفاه حقه فأعرف خلقه به وأحبهم له يقول لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ولو شهد بقلبه صفة واحدة من أوصاف كماله لاستدعت منه المحبة التامة عليها وهل مع امحبين محبة إلا من آثار صفات كماله فإنهم لم يروه في هذه الدار وإنما وصل إليهم العلم بآثار صفاته وآثار صنعه فاستدلوا بما علموه على ما غاب فلو شاهدوه ورأوا جلاله وجماله وكماله سبحانه وتعالى لكان لهم في حبه شأن آخر وإنما تفاوتت منازلهم ومراتبهم في محبته على حسب تفاوت مراتبهم في معرفته والعلم به فأعرفهم بالله أشدهم حبا له ولهذا كانت رسله أعظم الناس حبا له والخليلان من بينهم أعظمهم حبا وأعرف الأمة أشدهم له حبا ولهذا كان المنكرون لحبه من أجهل الخلق به فإنهم منكرون لحقيقة إلهيته ولخلة الخليلين ولفطرة الله التي فطر الله عباده عليها ولو رجعوا إلى قلوبهم لوجدوا حبه فيها ووجدوا معتقدهم نفي محبتهم يكذب فطرهم وإنما بعثت الرسل بتكميل هذه الفطرة وإعادة ما فسد منها إلى الحالة الأولى التي فطرت عليها وإنما دعوا إلى القيام بحقوقها ومراعاتها لئلا تفسد وتنتقل عما خلقت له وهل الأوامر والنواهي إلا خدم ووابع ومكملات ومصلحات لهذه الفطرة وهل خلق الله سبحانه وتعالى خلقه إلا لعبادته التي هي غاية محبته والذل له وهل هيىء الإنسان إلا لها كما قيل
قد هيئوك لأمر لو فطنت له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
وهل في الوجود محبة حق غير باطلة إلا محبته سبحانه فإن كل محبة متعلقة بغيره فباطلة زائلة ببطلان متعلقها وأما محبته سبحانه فهو الحق الذي لا يزول ولا يبطل كما لا يزول متعلقها ولا يفنى وكل ما