فهرس الكتاب
فالامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن يمن عليه ولا تصلح العبودية والذل إلا لله وأيضا فالمنة أن يشهد المعطي أنه هو رب الفضل والإنعام وأنه ولي النعمة ومسديها وليس ذلك في الحقيقة إلا الله وأيضا فالمان بعطائه يشهد نفسه مترفعا على الآخذ مستعليا عليه غنيا عنه عزيزا ويشهد ذل الآخذ وحاجته إليه وفاقته ولا ينبغي ذلك للعبد وأيضا فإن المعطي قد تولى الله ثوابه ورد عليه أضعاف ما أعطى فبقي عوض ما أعطى عند الله فأي حق بقي له قبل الآخذ فإذا امتن عليه فقد ظلمه ظلما بينا وادعى أن حقه في قلبه ومن هنا والله أعلم بطلت صدقته بالمن فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله وعوض تلك الصدقة عنده فلم يرض به ولاحظ العوض من الأخذ والمعاملة عنه فمن عليه بما أعطاه أبطل معاوضته مع الله ومعاملته له فتأمل هذه النصائح من الله لعباده ودلالته على ربوبيته وإلهيته وحده وأنه يبطل عمل من نازعه في شيء من ربوبيته وإلهيته لا إله غيره ولا رب سواه ونبه بقوله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى على أن المن والأذى ولو تراخى عن الصدقة وطال زمنه ضر بصاحبه ولم يحصل له مقصود الإنفاق ولو أتى بالواو وقال ولا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لأوهمت تقييد ذلك بالحال وإذا كان المن والأذى المتراخي مبطلا لأثر الإنفاق مانعا من الثواب فالمقارن أولى وأحرى وتأمل كيف جرد الخبر هنا عن الفاء فقال لهم أجرهم عند ربهم وقرنه بالفاء في قوله تعالى الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم فإن الفاء الداخلة على خبر المبتدأ الموصول أو الموصوف تفهم معنى الشرط والجزاء وأنه مستحق بما تضمنه المبتدأ من الصلة أو الصفة