نفس الغنى بل وجود المنازعة والمخاصمة وعدم المسالمة مانع من الغنى فهذه السلامة والمسالمة دليل على غنى القلب لا أن غناه بها نفسها وإنما غنى القلب بالدرجة الثالثة فقط كما سيأتي بيانه إن شاء الله فالغني إنما يصير غنيا بحصول ما يسد فاقته ويدفع حاجته وفي القلب فاقة عظيمة وضرورة تامة وحاجة شديدة لا يسدها إلا فوزه بحصول الغنى الحميد الذي إن حصل للعبد حصل له كل شيء وإن فاته فاته كل شيء فكما أنه سبحانه الغني على الحقيقة ولا غني سواه فالغني به هو الغني في الحقيقة ولا غنى بغيره ألبتة فمن لم يستغن به عما سواه تقطعت نفسه على السوى حسرات ومن استغنى به زالت عنه كل حسرة وحضره كل سرور وفرح والله المستعان
وإنما قدم شيخ الإسلام الكلام على غنى القلب على الكلام على غنى النفس لأن كمال صلاح النفس غناها بالاستقامة من جميع الوجوه وبلوغها إلى درجة الطمأنينة لا يكون إلا بعد صلاح القلب وصلاح النفس متقدم على إصلاحها هكذا قيل وفيه ما فيه لأن صلاح كل واحد منهما مقارن لصلاح الآخر ولكن لما كان القلب هو الملك وكان صلاحه صلاح جميع رعيته كان أولى بالتقديم
وقد قال النبي إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد إلا وهي القلب / ح /