فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 617

والقلب إذا استغنى بما فاض عليه من مواهب ربه وعطاياه السنية خلع على الأمراء والرعية خلعا تناسبها فخلع على النفس خلع الطمأنينة والسكينة والرضا والإخبات فأدت الحقوق سمحة لا كظما بانشراح ورضا ومبادرة وذلك لأنها جانست القلب حينئذ ووافقته في أكثر أموره واتحد مرادهما غالبا فصارت له وزير صدق بعد أن كانت عدوا مبارزا بالعداوة فلا تسأل عما أحدثت هذه المؤازرة والموافقة من طمأنينة ولذة عيش ونعيم هو دقيقة من نعيم أهل الجنة هذا ولم تضع الحرب أوزارها فيما بينهما بل عدتها وسلاحها كامن متوار لولا قدرة سلطان القلب وقهره لحاربت بكل سلاح فالمرابطة على ثغري الظاهر والباطن فرض متعين مدة أنفاس الحياة

وتنقضي الحرب محمودا عواقبها ... للصابري وحظ الهارب الندم

وخلع على الجوارح خلع الخشوع والوقار وعلى الوجه خلعة المهابة والنور والبهاء وعلى اللسان خلعة الصدق والقول السديد الثابت والحكمة النافعة وعلى العين خلعة الاعتبار في النظر والغض عن المحارم وعلى الأذن خلعة استماع النصيحة واستماع القول النافع استماعه للعبد في معاشه ومعاده وعلى اليدين والرجلين خلعة البطش في الطاعات أين كانت بقوة وأيد وعلى الفرج خلعة العفة والحفظ فغدا العبد وراح يرفل في هذه الخلع ويجر لها في الناس أذيالا وأردانا فغنى النفس مشتق من غنى القلب وفرع عليه فإذا استغنى سرى الغنى منه إلى النفس وغنى القلب ما يناسبه من تحقيقه بالعبودية المحضة التي هي أعظم خلعة تخلع عليه فيستغني حينئذ بما توجبه هذه العبودية له من المعرفة الخاصةوالمحبة الناصحة الخالصة وبما يحصل له من آثار الصفات المقدسة وما تقتضيه من الأحكام والعبوديات المتعلقة بكل صفة على الانفراد ومجموعها قائمة بالذات وهذا أمر تضيق عن شرحه عدة أسفار بل حظ العبد منه علما وإرادة كما يدخل إصبعه في اليم بل الأمر أعظم من ذلك والله سبحانه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت