أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فإذا استغنى القلب بهذا الغنى الذي هو غاية فقره استغنت النفس غنى يناسبها وذهبت عنها البرودة التي توجب ثقلها وكسلها وإخلادها إلى الأرض وصارت لها حرارة توجب حركتها وخفتها في الأوامر وطلبها الرفيق الأعلى وصارت برودتها في شهواتها وحظوظها ورعوناتها وذهبت عنها أيضا اليبوسة المضادة للينها وسرعة انفعالها وقبولها فإنها إذا كانت يابسة قاسية كانت بطيئة الانفعال بعيدة القبول لا تكاد تنقاد فإذا صارت يبوستها حرارة وبرودتها رطوبة وسقيت بماء الحياة الذي أنزله الله عز و جل على قلوب أنبيائه وجعلها قرارا ومعينا له ففاض منها على قلوب أتباعهم فأنبتت من كل زوج كريم فحينئذ انقادت بزمام المحبة إلى مولاها الحق مؤدية لحقوقه قائمة بأوامره راضية عنه مرضية له بكمال طمأنينتها يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فلنرجع إلى كلامه
فقوله في الدرجة الأولى وهي غنى القلب إنه سلامته من السبب أي من الفقر إلى السبب وشهوده والاعتماد عليه والركون إليه والثقة به فمن كان معتمدا على سبب غناه واثقا به لم يطلق عليه اسم الغنى لأنه فقير إلى الوسائط بل لا يسمى صاحبه غنيا إلا إذا سلم من علة السبب استغناء بالمسبب بعد الوقوف على رحمته وحكمته وتصرفه وحسن تدبيره فلذلك يصير صاحبه غنيا بتدبير الله سبحانه فمن كملت له السلامة من علة الأسباب ومن علة المنازعة للحكم بالاستسلام له والمسالمة أي بالانقياد لحكمه حصل الغنى للقلب بوقوفه على حسن تدبيره ورحمته وحكمته