فإذا وقف العبد على حسن تدبيره واستغنى القلب به لم يتم له الاستغناء بمجرد هذا الوقوف وإن لم ينضم إليه المسالمة للحكم وهو الانقياد له فإن المنازعة للحكم إلى حكم آخر دليل على وجود رعونة الاختيار وذلك دال على فقر صاحب الاختيار إلى ذلك الشيء المختار ومن كان فقيرا إلى شيء لم يرده الله لم يطلق عليه اسم الغنى بتدبير الله فلا يتم الغنى بتدبير الله سبحانه لعبده إلا بالمسالمة لحكمه بعد الوقوف على حسن تدبيره
ثم يبقى عليه الخلاص من معنى آخر وهو مخاصمة الخلق بعد الخلاص من منازعة الرب سبحانه فإن منازعة الخلق دليل على فقره إلى الأمر الذي وقعت فيه الخصومة من الحظوظ العاجلة ومن كان فقيرا إلى حظ من الحظوظ يسخط لفوته ويخاصم الخلق عليه لا يطلق عليه اسم الغني حتى يسلم الخلق من خصومته بكمال تفويضه إلى وليه وقيومه ومتولي تدبيره فمتى سلم العبد من علة فقره إلى السبب ومن علة منازعته لأحكام الله سبحانه ومن علة مخاصمته للخلق على حظوظ استحق أن يكون غنيا بتدبير مولاه مفوضا إليه لا يفتقر قلبه إلى غيره ولا يسخط شيئا من أحكامه ولا يخاصم عباده إلا في حقوق ربه فتكون مخاصمته لله وبالله ومحاكمته إلى الله كما كان النبي يقول في استفتاح صلاة الليل اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت