قال أبو القاسم القشيري وهذا اللفظ فيه أدنى غموض على من سمعه على وصف الغفلة عن مرمى القوم وإنما أشار قائله إلى سقوط المطالبات وانتفاء الاختيارات والرضى بما يجريه الحق سبحانه قلت وبعد فهو كلام مستدرك خطأ فإن حاجات هذا العبد إلى الله بعدد الأنفاس إذ حاجاته ليست كحاجات غيره من أصحاب الحظوظ والأقسام بل حاجات هؤلاء في حاجة هذا العبد كتفلة في بحر فإن حاجته إلى الله في كل طرفة عين أن يحفظ عليه حاله ويثبت قلبه ويرقيه في مقامات العبودية ويصرف عنه ما يفسدها عليه ويعرفه منازل الطريق ومكامنها وأوقاتها ويعرفه مواقع رضاه ليفعلها ويعزم عليها ومواقع سخطه ليعزم على تركها ويجتنبها فأي حاجات أكثر وأعظم من هذه فالصواب أن يقال الفقير هو الذي حاجاته إلى الله بعدد أنفاسه أو أكثر فالعبد له في كل نفس ولحظة وطرفة عين عدة حوائج إلى الله لا يشعر بكثير منها فأفقر الناس إلى الله من شعر بهذه الحاجات وطلبها من معدنها بطريقها وإن كان لا بد من إطلاق تلك العبارة على أن منها كل بد فيقال هو الذي لا حاجة له إلى الله تخالف مرضاته وتحطه عن مقام العبودية إلى منزلة الاستغناء وأما أن يقال لا حاجة له إلى الله فشطح قبيح وأما حمل أبي القاسم لكلامه على إسقاط المطالبات وانتفاء الاختيار والرضى بمجاري الأقدار فإنما يحسن في بعض الحالات وهو في القدر الذي يجري عليه بغير اختياره ولا يكون مأمورا بدفعه ومنازعته بقدر آخر كما تقدم وأما إذا كان مأمورا بدفعه ومنازعته بقدر هو أحب إلى الله منه وهو مأمور به أمر إيجاب أو استحباب فإسقاط