وفي الآية بعدها قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [النمل: 18] . هل نحن بحاجة لمعرفة ما إذا كانت النملة ذكرا أم أنثى؟ أم أنه يكفينا أن نعلم أن الله تعالى أوحى لهذه النملة بقدرته وجعلها سببا في إنقاذ أمتها، وأن الله تعالى علم سليمان منطق هذه الحشرات، وتعامل معها بما علمه الله تعالى إياه؟. ولهذا قال الشوكاني في فتح القدير:"ولا يتعلق بمثل هذا كثير فائدة، ولا بالتعرّض لاسم النملة، ولما ذكر من القصص الموضوعة، والأحاديث المكذوبة" (1) .
وفي وجوه عدم استحسان الخوض فيما ليس تحته عمل يقول الشاطبي: وبيان عدم الاستحسان فيه من أوجه متعددة:
-منها: أنه شغل عما يعني من أمر التكليف الذي طوقه المكلف بما لا يعني، إذ لا ينبني على ذلك فائدة؛ لا في الدنيا، ولا في الآخرة، أما في الآخرة؛ فإنه يسأل عما أمر به أو نهي عنه، وأما في الدنيا؛ فإن علمه بما علم من ذلك لا يزيده في تدبير رزقه ولا ينقصه ...
-ومنها: أن الشرع قد جاء ببيان ما تصلح به أحوال العبد في الدنيا والآخرة على أتم الوجوه وأكملها، فما خرج عن ذلك قد يظن أنه على خلاف ذلك، وهو مشاهد في التجربة العادية؛ فإن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم ...
-ومنها: أن تتبع النظر في كل شيء وتطلب عمله من شأن الفلاسفة الذين يتبرأ المسلمون منهم، ولم يكونوا كذلك إلا بتعلقهم بما يخالف السنة؛ فاتباعهم في نحلة هذا شأنها خطأ عظيم، وانحراف عن الجادة .. ووجوه عدم الاستحسان كثيرة (2) .
(1) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: 1075. محمد بن علي الشوكاني. دار المعرفة. بيروت. الطبعة الرابعة. 1428 هـ. 2007 م.
(2) الموافقات: 1/ 53 - 54.