تدخل بيت غيرها أن تستأذن قبل الدخول. فإنّ الناس قد يكرهون أن يطلع بعض النساء على بيوتهم، ويظهرن على ما فيها من أسراره (1) .
فأنت ترى في مثال واحد فقط كيف كان النظر المقاصدي في القرآن الكريم هو عماد القول، وأساس الترجيح، سواء في طبيعة الأدب الذي هو الحكم، أو في عدد أفراده وطبيعتهم رجالا ونساء، أو في عدد مرات الاستئذان، أو كان المستأذن بصيرا أو أعمى .. كل هذا ترجح القول فيه بل حُسم استنادا إلى المقاصد، وهو منهج يستخدم في مناهج التفسير جميعا.
وهذا مقصد مهم نستفيده من التفسير المقاصدي للقرآن الكريم وسوره، فكثيرا ما يختلف المفسرون في تأويل آية من الآيات، ويقفون عند أشياء ما كان أغناهم عنها، ولو توقفوا عند حدود ما اهتم به القرآن لما خاضوا في بعض ما خاضوا فيه.
وهذا هو منهج القرآن ومنهج الإسلام، وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم، كانوا دائما لا يهتمون بما ليس تحته عمل، وقد كان أئمتنا وفقهاؤنا كذلك، فإمام دار الهجرة مالك بن أنس كان يكره الكلام فيما ليس تحته عمل، ويحكي كراهيته عمن تقدم.
ففي سورة النمل قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] . هل هناك داع هنا للخلاف حول عدد الجيش الذي سخره الله تعالى لسليمان؟ أم أنه يكفينا أن نعلم أن الله - تعالى - قد سخر لسليمان جندا من الجن والإنس والطير، إلا أن عدد هؤلاء الجنود مرد علمه إلى الله - تعالى- وحده، وإن كان التعبير القرآني يشعر بأن هؤلاء الجند المجموعين، يمثلون مركبا عظيما، وحشدا كبيرا؟.
(1) تفسير آيات الأحكام: 3/ 155.