وأمّا استغفارُ اللسان مع إصرار القلب على الذنب،فهو دُعاء مجرَّد إنْ شاء الله أجابه،وإنْ شاء ردَّه،وقد يكون الإصرار مانعًا من الإجابة،فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو ابْنِ الْعَاصِ،عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ارْحَمُوا تُرْحَمُوا،وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ اللَّهُ لَكُمْ،وَيْلٌ لأَقْمَاعِ الْقَوْلِ،وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا،وَهُمْ يَعْلَمُونَ. [1]
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ،وَالْمُسْتَغْفِرُ مِنَ الذَّنْبِ وَهُوَ مُقِيمٌ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِرَبِّهِ،وَمَنْ أَذَى مُسْلِمًا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ كَذَا وَكَذَا"ذَكَرَ شَيْئًا" [2] "
وعَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ:"ثَلَاثَةٌ لَا يَسْمَعُ اللَّهُ لَهُمْ دُعَاءً:رَجُلٌ مَعَهُ امْرَأَةُ زِنَا كُلَّمَا قَضَى شَهْوَتَهُ مِنْهَا قَالَ:رَبِّ اغْفِرْ لِي،فَيَقُولُ الرَّبُّ:تَحَوَّلْ عَنْهَا وَأَنَا أَغْفِرُ لَكَ وَإِلَّا فَلَا،وَرَجُلٌ بَاعَ بَيْعًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَلَمْ يُشْهِدْ وَلَمْ يَكْتُبْ فَكَابَرَهُ الرَّجُلُ بِمَالِهِ،فَيَقُولُ:يَا رَبِّ،كَابَرَنِي بِمَالِي،فَيَقُولُ الرَّبُّ:لَا آجُرُكَ وَلَا أُنْجِيكَ إِنِّي أَمَرْتُكَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ فَعَصَيْتَنِي،وَرَجُلٌ يَأْكُلُ مَالَ قَوْمٍ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ،وَيَقُولُ:يَا رَبِّ،اغْفِرْ لِي مَا أَكَلْتُ مِنْ مَالِهِمْ،فَيَقُولُ الرَّبُّ:رُدَّ إِلَيْهِمْ مَالَهُمْ فَأَغْفِرَ لَكَ وَإِلَّا فَلَا" [3]
وقول القائل:أستغفر الله،معناه:أطلبُ مغفرته،فهو كقوله:اللهمَّ اغفر لي،فالاستغفارُ التامُّ الموجبُ للمغفرة:هو ما قارن عدمَ الإصرار،كما مدح الله أهله،ووعدهم المغفرة،قال بعض العارفين:من لم يكن ثمرةُ استغفاره تصحيح توبته،فهو كاذب في استغفاره،وكان بعضُهم يقول:استغفارُنا هذا يحتاج إلى استغفارٍ كثير،وفي ذلك يقولُ بعضهم:
أستغْفِرُ الله مِنْ أستغفرُ الله من لَفظةٍ بَدَرَتْ خالفْتُ معناها
وكيفَ أرجو إجاباتِ الدُّعاء وقد سَدَدْتُ بالذَّنب عندَ الله مَجراها
فأفضل الاستغفار ما اقترن به تركُ الإصرار،وهو حينئذ توبةٌ نصوح،وإنْ قال بلسانه:أستغفر الله وهو غيرُ مقلع بقلبه،فهو داعٍ لله بالمغفرة،كما يقول:اللهمَّ اغفر لي،وهو
(1) - مسند أحمد (6698) وغاية المقصد في زوائد المسند (4755 ) حسن
الأقماع: جمع قمع وهو الإناء الذى يترك في رءوس الظروف لتملأ بالمائعات
(2) - التَّوْبَةُ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا (85 ) ورجح ابن رجب وقفه
(3) - الزُّهْدُ لِهَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ (898 ) ضعيف