حسن وقد يُرجى له الإجابة،وأما من قال:توبةُ الكذابين،فمرادُه أنَّه ليس بتوبة،كما يعتقده بعضُ الناس،وهذا حقٌّ،فإنَّ التَّوبةَ لا تكون مَعَ الإصرار .
وإن قال:أستغفر الله وأتوبُ إليه فله حالتان:
إحداهما:أن يكونَ مصرًّا بقلبه على المعصية،فهذا كاذب في قوله: (( وأتوب إليه ) )لأنَّه غيرُ تائبٍ،فلا يجوزُ له أن يخبر عن نفسه بأنَّه تائبٌ وهو غير تائب .
والثانية:أنْ يكون مقلعًا عن المعصية بقلبه،فاختلف الناس في جوازِ قوله:وأتوب إليه،فكرهه طائفةٌ من السَّلف،وهو قولُ أصحاب أبي حنيفة حكاه عنهم الطحاوي،وقال الربيع بن خثيم:يكونُ قولُه: (( وأتوب إليه ) )كذبةً وذنبًا،ولكن ليقل:اللهمَّ تُبْ عليَّ،أو يقول:اللهمَّ إنِّي أستغفرك فتُب عليَّ،وهذا قد يُحمل على من لم يقلع بقلبه وهو بحاله أشبه.وكان محمد بن سوقة يقول في استغفاره:استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأسأله توبة نصوحًا،فعَنْ سُلَيْمٍ الْعَامِرِيِّ،قَالَ:سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ،يَقُولُ:بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَخْشَى اللَّهَ،وَبِحَسْبِهِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ ثُمَّ يَعُودُ [1] .
وعَنِ الْجَرِيرِيِّ قَالَ:سَمِعَ مُطَرِّفٌ رَجُلًا يَقُولُ:أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ قَالَ:"فَلَعَلَّكَ لَا تَفْعَلُ" [2] .
وهذا ظاهره يدلُّ على أنَّه إنَّما كره أنْ يقول:وأتوب إليه ؛ لأنَّ التوبة النصوحَ أنْ لا يعودَ إلى الذنب أبدًا،فمتى عاد إليه،كان كاذبًا في قوله: (( أتوب إليه ) ).
وكذلك سُئِل محمدُ بن كعب القُرظِيُّ عمَّن عاهد الله أنْ لا يعود إلى معصية أبدًا،فقال:من أعظم منه إثمًا يتألَّي على الله أنْ لا ينفذ فيه قضاؤه،ورجَّح قوله في هذا أبو الفرج ابنُ الجوزي،ورُوي عن سُفيان بن عُيينة نحو ذلك. [3]
وجمهورُ العلماء على جواز أنْ يقول التائب:أتوبُ إلى الله،وأنْ يُعاهِدَ العبدُ ربَّه على أنْ لا يعود إلى المعصية،فإنَّ العزم على ذلك واجبٌ عليه،فهو مخبر بما عزم عليه في الحال،لهذا
(1) - الزُّهْدُ أَبِي دَاوُدَ (269 ) حسن
(2) - زُهْدُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (1341 ) صحيح
(3) - جامع العلوم والحكم محقق - (ج 44 / ص 12)