أولًا: إن فهم قول أبي حاتم: (( إن حديث الدراوردي أصح من حديث ابن مجبر ) )على أنه يدل أن رواية الترمذي مرجوحة ضعيفة ، و أن الراجح رواية النفي يدل - مع الأسف - على الجهل البالغ بأساليب المحدثين في الترجيح ، و سوء فهم لمقاصدهم من ذلك ، إذ أن ترجيح أبي حاتم إنما هو محصور بين روايتين ليس منهما رواية الترمذي ! ثم هو ترجيح صحيح ، لأن الدراوردي ثقة على ضعف يسير في حفظه كما يأتي ، بخلاف المخالف له: ابن مجبر فإنه ضعيف اتفاقًا ، و قد قال فيه أبو حاتم نفسه: (( ليس بالقوي ) )و قال صاحبه أبو زرعه: (( واهي الحديث ) ) (5) و لكن أي عالم بل أي عاقل عنده قليل من الفهم بالأسلوب العربي يفهم من ذلك ترجيح رواية الدراوردي هذه على رواية الترمذي و هي لم يرد لها ذكر في كلام أبي حاتم لا تصريحًا و لا تلويحًا ، بل لعله لم يقف عليها أصلًا ، ثم هي أقوى و أرجح من رواية الدراوردي كما سأبينه في الوجه الآتي بعد هذا ، فسقط بذلك قول الشيخ عقب كلام أبي حاتم: (( هو صريح في أن رواية الترمذي مرجوحة ، و أن الراجح رواية النفي ) )! .
ثانيًا: إن قول الدراوردي في روايته (( ليس بسنّة ) )، منكر أو على الأقل شاذ لسببين:
1-مخالفته لمن هو أوثق منه ، ألا و هو محمد بن جعفر بن أبي كثير و هو ثقة كما قال الترمذي و نقله عنه الشيخ نفسه ، و لا خلاف فيه عند الأئمة النقاد ، بل احتج به الشيخان و جميع أصحاب السنن و غيرهم ، فروايته هي الراجحة عند التعارض على رواية الدراوردي لأنه مختلف فيه ، و قد وصفه أبو زرعة و غيره بأنه (( سيئ الحفظ ) )فلا جرم أن البخاري لم يحتج به بينما احتجا جميعًا بمخالفه ، فثبت أن روايته هي أحق بالترجيح من رواية الدراوردي ، و لا يشك في هذا منصف شم رائحة مصطلح الحديث .
2-أن رواية الدراوردي لا متابع لها و لا شاهد خلافًا لرواية محمد بن جعفر ، فإن لها متابعًا و شاهدًا: