و لقد أنصف الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى ، فإنه ذهب إلى العمل بالحديث في هذه المسألة خلافًا لكثير من علماء المالكية ، و تبعه على ذلك القرطبي و غيره ، و سبقهم إلى الجهر بذلك الحافظ ابن عبد البر ، فقال ابن العربي في (( عارضة الأحوذي ) ) ( 4/13 - 16 ) تعليقًا على الحديث: (( و هذا صحيح ، لم يقل به أحد إلا أحمد بن حنبل( ! ) ، فأما علماؤنا ( يعني المالكية ) فمنعوا منه ، لكنهم اختلفوا إذا أكل هل عليه كفارة أم لا ؟ فقال مالك في (( كتاب ابن حبيب ) ): (( لا كفارة عليه ) )، و قال أشهب: (( نعم لأنه متأول ) )، و قال غيرهم: عليه الكفارة ، و يجب أن لا يكفر لصحة الحديث ... و هو يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر )) .
و قال القرطبي في تفسيره (( الجامع لأحكام القرآن ) ) ( 2/278 - 279 ) بعد أن حكى الخلاف الذي ذكره ابن العربي: (( قلت: قول أشهب في نفي الكفارة حسن ، لأنه فعل ما يجوز له فعله ، و الذمة بريئة ، فلا يثبت فيها شيء إلا بيقين ، و لا يقين مع الاختلاف ، ثم إنه مقتضى قوله تعالى: ( أو على سفر ( ، و قال أبو عمر( هو ابن عبد البر ) : هذا أصح أقاويلهم في هذه المسألة ، و لو كان الأكل مع نية السفر (16) يوجب عليه الكفارة ، لأنه كان قبل خروجه ما أسقطها عنه خروجه ، فتأمل ذلك تجده كذلك ، إن شاء الله تعالى )).
ثم ذكر ابن عبد البر من قال بأنه لا يفطر و أن عليه الكفارة إن أفطر ، ثم قال: (( و ليس هذا بشيء ، لأن الله سبحانه قد أباح الفطر في الكتاب و السنة ، و أما قولهم: (( لا يفطر ) )فإنما ذلك استحباب لما عقده ، فإن أخذ برخصة الله كان عليه القضاء ، و أما الكفارة فلا وجه لها ، و من أوجبها فقد أوجب ما لم يوجبه الله و لا رسوله صلى الله عليه و سلم )) .