فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 712

ثالثًا: أن أبا بصرة لو خرج قبل الفجر - كما ادعى الشيخ - فمعنى ذلك أنه سافر قبل أن يجب عليه الصيام لعدم وجود شرطه و هو الإقامة ، و من المعلوم أن مثل هذا يجوز له الأكل بعد الفجر بنص القرآن و اتفاق المسلمين ، بل إن بعضهم أوجبه عليه ، فإذ الأمر كذلك فهل يعقل أن يعترض عليه عبيد بن جبير بقول: (( ألست ترى البيوت ؟! ) )، فلا شك أن هذا القول منه دليل على أن أبا بصرة خرج صائمًا ، و أنه أكل بعد الفجر و أفطر ، فأراد عبيد رحمه الله أن يلفت نظره إلى ما ظنه مانعًا من الإفطار و هو كونه لا يزال في حكم المقيم لأنه لم يجاوز البيوت ! فأخبره أبو بصرة رضي الله عنه بأن المجاوزة ليست بشرط ، و أن التمسك به خلاف السنة . هذا هو المعنى الذي يمكن فهمه من الحديث إذا تجردنا عن الهوى و التقليد الأعمى ، و هو الذي فهمه العلماء كما ذكرت في الوجه الأول . و يشهد لذلك أيضًا ترجمة البيهقي للحديث بقوله: (( باب من قال يفطر و إن خرج بعد طلوع الفجر ) )، فهذا نص قاطع على بطلان ما تأول الشيخ الحديث به من المعنى ، و هو مما يدل على أن الشيخ يجتهد في فهم الأحاديث - خلاف ما يتظاهر به ! - و كأنه - ألهمنا الله الصواب جميعًا - يجتهد لهدمها و إبطال معانيها حتى لا تتعارض مع مذهبه ، فالمذهب هو الأصل عنده ، و الحديث تبع له ! و هذا خلاف ما يجب أن يكون عليه المسلم كما سبق التنبيه عليه ، و خلاف ما جرى عليه العلماء المنصفون حتى من كان منهم معروفًا باتباعه لمذهب من المذاهب الأربعة ، و أقرب شاهد لدينا على ذلك ، الإمام البيهقي رحمه الله فإنه مع اتباعه للمذهب الشافعي و تأييده له في أكثر مسائله فسر الحديث بقوله الذي ذكرته آنفًا بخلاف ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ، و لم يُحَمِّله معنى لا يتحمله و لا يساعد عليه الذوق العربي و الفهم السليم ، كما صنع غيره و هو ينتمي لمذهب الشافعي أيضًا !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت