وإذا تبين هذا التحقيق للقاريء الكريم ، وتذكر أن خطبة عمر هذه وردت عنه من خمسة طرق ، ليس فيها قصة المرأة ، عرف حينئذ أنها ضعيفة منكرة لا تصح .
ومما يؤيد ذلك ما أخرجه البيهقي من طريق بكر بن عبد الله المزني قال: قال عمر بن الخطاب"لقد خرجت وأنا أريد أن أنهي عن كثرة مهور النساء حتى قرأت هذه الآية: ( وءاتيتم إحداهن قنطارا ) ".
وقال البيهقي:
"هذا مرسل جيد".
قلت: وهو أصح ، من مرسل ابن إسحاق ، لأن رجاله كلهم ثقات ، وهو بظاهره يبطل قصة المرأة ، لأنه يدل على أن تراجع عمر -رضي الله عنه- عما هم به من النهي إنما كان بقراءته الآية قبيل خروجه إلى الناس ، بينما القصة تقول: إن تراجعه إنما كان بعد خروجه وتذكير المرأة إياه بالآية .
وعلى كل حال ، فهذان المرسلان لا يصحان لإرسالهما وللتعارض الذي بينهما ، ومخالفتهما لسائر طرق الحديث عن عمر ، التي أطبقت على أن عمر نهى عن التغالي في المهور ، ولم تذكر أنه رجع عن ذلك .
وليس في نهي عمر عن ذلك ما ينافي السنة حتى يتراجع عنه ، بل فيها ما يشهد ، فقد صح عن أبي هريرة قال:
"جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني تزوجت امرأة من الأنصار ، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:"هل نظرت إليها فإن في عيون الأنصار شيئًا ؟"، قال: قد نظرت إليها ، قال:"على كم تزوجتها ؟"قال أربع أواق ، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-:"على أربع أواق ؟! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل"رواه مسلم ."
وإذا تبين أن نهي عمر رضي الله عنه عن التغالي في المهور موافق للسنة ، وحينئذ يمكن أن نقول: إن في القصة نكارة أخرى تدل على بطلانها ، وذلك أن نهيه ليس فيه ما يخالف الآية ، حتى يتسنى للمرأة أن تعترض عليه ، ويسلم هو لها ذلك ، لأن له -رضي الله عنه- أن يجيبها على اعتراضها -لو صح- بمثل قوله: لا منافاة بين نهيي وبين الآية من وجهين.