ولا يحصر من الفيء إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى الفهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وأخذهم بالحجج، وأقلهم تبرمًا بمراجعة الخصوم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأصرمهم عن اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء وأولئك قليل". وهي وصية شاملة ضافية لكل ما يلزم للقاضي من أمور، ثم يزيد ناصحًا إياه بقوله:"ثم أكثر تعاهد قضائه، و أفسح له البذل مما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اعتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظرًا بليغًا" [1] ."
وبلغ عدله مبلغًا عظيمًا، فقد اختصم مع نصراني وهو الخليفة على درع، فرفع رضي الله عنه عنه الأمر إلى القاضي، وكان قاضيه (شريح القاضي) وقد أورد ابن كثير هذه الرواية، وذلك بقوله:
عن الشعبي قال: وجد علي بن أبي طالب درعه عند رجل نصراني، فأقبل به إلى شريح يخاصمه، قال: فجاء علي حتى جلس جنب شريح وقال: يا شريح لو كان خصمي مسلمًا ما جلست إلا معه، ولكنه نصراني، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا كنتم وإياهم في طريق فاضطروهم إلى مضايقه، وصغروا بهم كما صغر الله بهم من غير أن تطغوا"، ثم قال: هذا الدرع دولي ولم أبع ولم أهب، فقال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي
(1) نهج البلاغة 8/ 504.