الصفحة 109 من 146

ولكن الظلمة من الحكام لا يرضون سلوك مثل هذا السبيل، لأنهم يريدون من عالم المسلمين أن يكون معهم في كل حين في سرائهم وضرائهم، يجلس مجالسهم، ويستمع إلى قولهم، يسبح بحمدهم ويقدس أمرهم .. أما إن أبى، منكرًا لأحوالهم الشاذة، محاسبًا لأعمالهم الخاطئة واقفًا بالمرصاد، ينصح ويرشد، لا يقبل ظلمهم ولا يرضى سوء صنيعهم فإنهم يغضبون ويحمقون، شافين غليلهم بإنزال عذاب المحن بهم، ليستريحوا منهم، ولن تستريح ضمائرهم إن كانت عندهم ضمائر .. أما أن يرفض قربًا طلبوه، واتصالًا أرادوه، جالسًا على التل لا يريم، مكبًا على درسه وتدريسه، وعلمه وتعليمه، يستقبل الدارسين ويجيب سؤال السائلين، لا يرفض متعلمًا يأتيه، ولكنه لا يأتي هو إليه، لأن العلم يؤتى ولا يأتي إكرامًا للعلم وعزة لحامليه، إن فعل ذلك العالم، ثارت ثائرة الظلمة من الحكام، وغضبوا عليه، منتقمين لأنفسهم كيف يرد طلبهم .. ؟

وطلب الحكام مهما كان لا يرد كما يزعمون، قاتلهم الله أنى يؤفكون، ومحنة إمامنا البخاري من هذا النوع الأخير. وقد يرى البعض أن هذه المحنة سهلة بسيطة، عند قراءتها للوهلة الأولى. وربما حسبوها من قبيل الاضطهاد الخفيف أو المضايقة التي ما كان ينبغي أن تقع أو تصيبه، لا من قبيل محنة أولئك الأئمة الكرام التي مر ذكرها .. ولكن الحقيقة أنها محنة وأنها نكبة بالنسبة لرجل تجاوز الستين عامًا، إذ هو شيخ عاش لا لذاته، وإنما من أجل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قضى عمره وأفنى زهرة حياته يلتمس الحديث الشريف ويجمعه، ناذرًا نفسه لخدمة الحديث الشريف منذ كان عمره عشر سنين: (أفهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب. قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل) [1] . في أسفار بعدت فيها الشقة، فلا طائرات ولا سيارات إنما دواب وأقدام ليسهل فهم الشريعة الإسلامية لمن يجيء بعده، وليأخذوا من معين ما جمع، وهو معين لا ينضب، ويروون من بحره العذب النمير ويرتعون من ربيع رسول الله صلى الله عليه وسلم في روضة وغدير. فرجل يعيش في أفق السنة المحمدية، ويسعى لتنقيب الأحاديث النبوية، بمشقة وعناء، لا يعرفهما إلا من ذاق طعمهما، ثم يقدم إنتاجه هدية مسداة لطلاب الحديث في حلقة درسه أو غيرها ..

وبعد هذا أو ذاك يجازى مثل ما جوزي.

حقًا إنها محنة ذات إهانة بالغة، لا يتقدم على إنزالها إلا من حرم طعم الإيمان، ولم يعرف لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدرًا. ولنسمع قصة المحنة: (فقد حدث الرواة أن أمير خراسان خالد بن أحمد الذهلي طلب من الإمام البخاري وهو في بلده بخارى أن يحضر إليه ليسمع أولاده منه، فأبى أن يذهب قائلًا: في بيتي يؤتى العلم. فأراد الأمير أن يعزف الناس عن السماع منه فلم يقبلوا من الأمير، فأمر بنفي البخاري من بلده إلى بلدة(خرتنك) على فرسخين من سمرقند. وهناك مرض وعلى أثره مات في ليلة عيد الفطر عن اثنين وستين سنة.

ولكن الله وهو العليم الخبير سبحانه وتعالى ينتقم من الظالمين ويثأر للمظلومين، ولو بعد حين فهو يمهل ولا يهمل.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) [2] .

وصلت أنباء المحنة إلى بغداد، فقامت بغداد وقعدت وعم الاستياء، لمحنة التقي الورع العدل الثبت. فأسرها الموفق بن المتوكل وهو أخو الخليفة المعتمد في نفسه، متحينًا الفرصة لينتقم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويثأر لإمام المحدثين وأمير الحفاظ أجمعين.

وها هي الفرصة قد دنت فاستعد لها الموفق، وماذا عمل ...

فقد حدثنا به ثقات المؤرخين.

(1) [ص353 الحديث والمحدثون] .

(2) متفق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت