الجواب على الأسئلة من واجبات العلماء، والزوغان في الجواب من علامات النفاق والساكت عنه والكاتم له، ملعونًا ومطرودًا من رحمة الله. وهو شيطان أخرس، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [1] ، وقال النبي الكريم عليه الصلاة والسلام (الساكت عن الحق شيطان أخرس) [2] .
والجرأة في الجواب الموصوفة بالصدق من أمارات الإيمان، وبالأخص إذا كان السائل حاكمًا.
والقصد من الجواب الإرشاد إلى الحق، وبيان وجه العدل للسائل، وقد ذكر الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- في إحيائه طرقًا لذلك، أذكر منها ما يخص أجوبة العلماء للحكام.
1 -التخمين في الجواب والإغلاظ فيه (فإن كان هذا النوع من الإرشاد يخاف منه غضبة الحاكم فتحدث فتنة يتعدى شرها وسوؤها على الآخرين لم يجز سلوك هذا الطريق، وإن هذا النوع لا يخاف إلا على نفس العالِم فجائز ومندوب، لأن علماء السلف كانوا يستعملون ذلك، وهم يدركون أنهم بسلوك هذا الطريق يتعرضون للأذى أو القتل أو لأنواع العذاب، لأنهم كانوا يعدون هذا شهادة في سبيل الله وأذى في سبيله ينالون الأجر العظيم والمنزلة السامية عند الله، لقوله صلى الله عليه وسلم(خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب ثم رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه في ذات الله فقتله على ذلك) [3] وليس في ذلك تهلكة ولا هو دخل في معنى قوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [4] كما أشرنا إلى ذلك في فصل سابق [5] ووصف النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب (قرن من حديد لا تأخذه في الله لومة لائم) [6] . [7]
يقول الإمام الغزالي في إحيائه (ولما علم المتصلبون في الدين أن أفضل الكلام كلمة حق عند سلطان جائر وأن صاحب ذلك إذا قتل فهو شهيد كما وردت به الأخبار، قدموا على ذلك موطنين أنفسهم على الهلاك ومحتملين أنواع العذاب وصابرين عليه في ذات الله تعالى ومحتسبين لما يبذلونه من مهجهم عند الله) [8] .
وهذه صور رائعة في أجوبة العلماء للحكام تبرز صلابتهم في التمسك بدينهم ولو أدى إلى فقدان المهج والأرواح. ولنضرب أمثلة لذلك:
(1) الآيتان 160،159 البقرة.
(2) حديث موضوع، تقدمت الإشارة إليه.
(3) تقدم تخريجه.
(4) آية 195 سورة البقرة.
(5) [راجع فصل العلماء وآية التهلكة من هذا الكتاب] .
(6) عن عمير بن ربيعة: أن عمر بن الخطاب أرسل إلى كعب الأحبار فقال: يا كعب كيف تجد نعتي؟ قال: أجد نعتك قرنا من حديد قال: وما قرن من حديد؟ قال: أمير سديد لا يأخذه في الله لومة لائم. رواه الطبراني في المعجم الكبير، وابن أبي شيبة، وأبو نعيم في الحلية ولفظه:"أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أرسل إلى كعب فقال له يا كعب كيف تجد نعتي في التوراة قال خليفة قرن من حديد لا يخاف في الله". وعن عبد الله بن عمرو قال: يكون في هذه الأمة اثنا عشر خليفة أبو بكر أصبتم اسمه وعمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه وعثمان بن عفان ذو النورين أوتي كفلين من الأجر قتل مظلوما أصبتم اسمه. وصححه الألباني انظر"ظلال الجنة"2/ 313.
(7) [القرآن [ ... ] ، راجع تفصيل ذلك في ص68 من كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جـ7 إحياء علوم الدين].
(8) [ص692 جـ7 الإحياء] .