نعم صلاح الناس بصلاح العلماء والحكام، وفسادهم بفساد علمائهم وحكامهم ذلك ما نطق به الصادق المصدوق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء) [1] وهذا ما أثبته الواقع العملي في كل عصر وفي كل مصر.
الناس فئتان، فئة تتبع العلماء، متأثرة بتوجيههم، ومقتفية أثرهم في الطاعة والانقياد لله وللرسول، سائرة على نهجهم بالتقيد بأحكام الإسلام، عاملة معهم في محاربة الكفر والمنكر، وكل ما لا يمت إلى الإسلام بصلة، مؤيدة إياهم في كل خير ونفع يعود للأمة أجمع، فيحصل بذلك الصلاح.
وفئة تخضع لسلطان الحاكم إن كانوا صالحين، فتخاف عقابهم وتحسب حسابهم، وتخشى بطشهم إن أساءت وظلمت وأفسدت في المجتمع، فتعمل الخير بما يأمروهم هؤلاء، من طاعة ومعروف وإحسان بين الناس، فيحصل بذلك الصلاح. وبعبارة أخرى: الناس بين رجلين:
رجل يرى العالم قدوة له، لأنه يشاهده طيب القلب حسن السيرة كريم الأخلاق يحب العدل، ويكره الظلم، يقول الحق ولو على نفسه، يقارع الظالمين بسلطان فكره، ويجابه المعتدين على أحكام الشرع بقوي حجته، إن رأى حاكمًا جائرًا أنكر عليه وإن رأى حاكمًا فاسقًا نصحه وأعانه على الخير، فيحصل الإصلاح ويصلح الناس.
ورجل يرى حاكمه تقيًا مؤمنًا، ساهرًا ليله وقاضيًا نهاره، في خدمة الأمة ورعاية الخلق، حارسًا أمينًا للإسلام، يغضب إذا انتهكت حرمات الله، ويحزن إذا عطلت شعائر الله، يسره إقامة العدل، ويسوؤه وقوع الظلم ولو على فرد واحد من رعيته لأنه مسؤول عنهم (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته) [2] كبير المسلمين يجعله أبًا، وأوسطهم أخًا، وأصغرهم ابنًا، وبهذا يحصل الصلاح والإصلاح.
(1) حديث ضعيف، رواه أبو نعيم في"فضيلة العادلين"برقم 36 وقال الحافظ العراقي في تذيله على الإحياء: حديث:"صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس ... الحديث"أخرجه ابن عبد البر وأبو نعيم من حديث ابن عباس بسند ضعيف. أهـ (إحياء علوم الدين 1/ 16) ، وروي من كلام سفيان الثوري رحمه الله وهو أشبه، انظر"مناقب سفيان"للذهبي ص55، و"المجالسة"للدينوري برقم469، و"الحلية"لأبي نعيم 7/ 5، و"المصباح المضيء"لابن الجوزي1/ 245.
(2) متفق عليه.