أراد الله سبحانه وتعالى، لدينه الإسلام، أن يكون نظامًا عالميًا للحياة، وعقيدة خالدة للبشر لإسعادهم إلى قيام الساعة، فجعل فيه سلطانًا، ليقوم بتطبيق نظامه ونشر عقيدته في العالم، ورعاية شؤون الناس على أساسه.
وإن هذا السلطان جعله الله تعالى للأمة، ولكن الأمة بمجموعها لا يمكن أن تتولى هذا السلطان، لذلك فإنها تختار منها رجلًا ليقوم بهذا السلطان نيابة عنها، ثم إن الله تعالى أبقى للأمة بمجموعها حق محاسبة هذا الرجل الذي تولى السلطان عنها، وأولته أمرها، إن قصّر في رعاية شؤونها، أو حاد عن أحكام الإسلام في تطبيقه ونشره.
ولم يكتف الإسلام بجعل هذه المحاسبة حقًا للأمة، تكون مخيرة في القيام به أو تركه، بل جعله فرضًا عليها، وجعل ذلك على علماء الأمة فرض عين -لأنهم قادة الأمة الحقيقيون والثلة الواعية فيها والقائمة على أمر الدين والمبلغة لأحكامه والداعية إليه- فقال تعالى: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) [1] .
وهل إنكار المنكر إلا المحاسبة؟ والأمر بالمعروف إلا النصيحة القائمة على دعوة الخير والخير هو اتباع القرآن الكريم والسنة المطهرة، كما يقول الإمام محمد الباقر رضي الله عنه ناقلًا ذلك عن جده رسول الله صلى الله عليه وسلم [2] .
كما رتب الإسلام عقابًا ينزله على من لم يقم بهذا الغرض أو ينفذ ذاك الواجب، فهدد وأنذر وتوعد، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (من رأى سلطانًا جائرًا مستحلًا لحرم الله ناكثًا لعهد الله مخالفًا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير بقول ولا فعل كان حقًا على الله أن يدخله مدخله) [3] .
فمصير الحاكم الظالم دخول النار، بسخط الله تعالى يوم القيامة، ومثله مصير من لم يحاسبه أو يقوم بالإنكار عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: (لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرًا ولتقصرنه على الحق قصرًا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض وليلعنكم كما لعن بني إسرائيل) [4] .
وبشر رسول الله بعاقبة الذين يحاسبون الحكام وينكرون عليهم كلما لزم ذلك بأنهم من زمرة الشهداء، بل من أسيادهم فقال عليه الصلاة والسلام: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام ظالم فأمره ونهاه فقتله) [5] . وفوق كون هؤلاء ينجون من عذاب الله وشدة عقابه فقال تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [6] .
وجعل الله سبحانه وتعالى خيرية هذه الأمة محققة بأداء هذا الواجب فقال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) [7] .
(1) آية 104 سورة آل عمران.
(2) [ذكره ابن كثير في تفسيره] .
(3) تقدم تخريج الحديث.
(4) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجة وقال الترمذي: حسن غريب، وذكر أن بعضهم رواه عن أبي عبيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا. وأخرجه ابن ماجة أيضًا مرسلًا، وقد تقدم أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه فهو منقطع. أهـ (عون المعبود 11/ 288) .
(5) أخرجه الحاكم بلفظ:".. إلى إمام جائر .."الحديث، وصححه الألباني في"صحيح الترغيب والترهيب"و"السلسلة الصحيحة".
(6) آية 165 سورة الأعراف.
(7) آية 110 سورة آل عمران.