الصفحة 42 من 146

فخيرية هذه الأمة ملازمة لها ما أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر ودعت إلى الله وحده وإلا فلا.

وقد فهم الحكام الصالحون من سلف هذه الأمة، هذا الحق وآمنوا به، كما أدركوا هذا الغرض واعتقدوا به، فسمحوا للقيام بهذا الحق وأداء هذا الغرض من غير حد أو تحديد، بل نجد منهم من يطلب بنفسه من الأمة أن تحاسبه على كل عمل وتصرف وتقومه في كل خطأ قد يصدر منه، ما داموا مخلصين يبتغون وجه الله في حكمهم وسلطانهم، فهذا خليفة رسول الله أبو بكر الصديق رضوان الله عليه يقول عندما استلم الحكم: ( ... فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم ... ) [1] .

وهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقومه) [2] وهل هذا التقويم إلا المحاسبة؟؟ والإسلام أوجب على الحاكم الذي يتولى أمر المسلمين أن يسمع لمن يحاسبه وأن يفسح صدره لذلك، كما أمره أن يخضع لهذه المحاسبة إن كانت موافقة لأحكام الإسلام ومنعه من أي عقاب يفرضه على أي فرد من أجل هذه المحاسبة ولو جاءت شديدة والقول فيها غليظًا.

ولنسمع جواب ذلك الأعرابي لطلب عمر في تقويمه (والله يا عمر لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بحد سيوفنا) فيؤمن عمر لقوله ويحمد الله مسرورًا من هذا الجواب (الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوّم عمر بسيفه) [3] فسيدنا عمر يرضى بتقويم اعوجاجه وتصحيح خطئه بالسيف نعم بالسيف، وحكام اليوم وعبيدهم لا يرضون بتقويم اعوجاجهم بالكلام نعم بالكلام، فتأمل يا أخي. وقال آخر إليه (اتق الله يا عمر) فأجابه أحد الحاضرين أتقول هذا لأمير المؤمنين، ولكن سيدنا عمر نهره بتلك القولة التي صارت مثلًا لكل حاكم صالح (لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها) [4] .

وأوصى أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه جميع ولاته أن يقبلوا محاسبة من حاسبهم ما دام في تلك المحاسبة طاعة الله فقال ( .. فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه وتجنب من يرديه وأصاب السلامة ببصر من بصره وطاعة هادٍ أمره) [5] .

وأغلظ رجل على أمير المؤمنين معاوية في الكلام فقيل له (أتحلم على مثل هذا فقال إني لا أحول بين الناس وألسنتهم ما لا يحولوا بيننا وبين سلطاننا) [6] .

وبعد: فهذه حوادث من سيرة العلماء في العهد الإسلامي تبين صورًا صادقة وتجسد المواقف في محاسبة العلماء للحكام.

كانت من جملة غنائم المسلمين، أبراد إيمانية، فقام أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يقسم هذه الغنائم بالعدل، وقد أصابه منها برد: كما أصاب ابنه عبد الله مثل ذلك، كأي رجل من المسلمين، ولما كان سيدنا عمر بحاجة إلى ثوب وهو الطويل في الجسم، فقد تبرع له عبد الله ببرده، ليصنع منها ثوبًا يكفيه، ثم وقف يخطب الناس وعليه هذا الثوب، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله (أيها الناس اسمعوا وأطيعوا .. ) فوقف له سلمان الفارسي الصحابي الجليل ليحاسبه فقال له: (لا سمع لك علينا ولا طاعة) ، فقال سيدنا عمر ولمَ؟ قال سلمان (من أين لك هذا الثوب وقد نالك برد واحد وأنت رجل طوال؟) فقال: (لا تعجل) ونادى (يا عبد الله) فلم يجبه أحد فقال: (يا عبد الله بن عمر) فقال (لبيك يا أمير المؤمنين) قال: (ناشدتك الله البرد الذي ائتزرت أهو بردك؟ فقال اللهم نعم: قال سلمان الآن مر نسمع ونطع) [7] .

(1) تقدم تخريجه.

(2) تقدم.

(3) تقدم.

(4) نظام الحكم في عهد الخلفاء الراشدين ص200.

(5) [ص222 جـ3 نهج البلاغة] ، وقد تقدم الكلام عن"نهج البلاغة".

(6) [ذكره صاحب سراج الملوك] .

(7) "عيون الأخبار"لابن قتيبة 1/ 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت