إن قال قائل هذا عمر وهو نسيج وحده وذاك سلمان وهو الصحابي الجليل قلنا إذن اسمع.
وقف أمير المؤمنين معاوية يومًا على منبره، بعد أن قطع بعض الأعطيات المالية عن أفراد المسلمين. فقال: اسمعوا وأطيعوا فقام إليه أبو مسلم الخولاني ليحاسبه عن هذا التصرف الخاطئ، فقال لا سمع ولا طاعة يا معاوية، قال ولمَ يا أبا مسلم، فقال: يا معاوية كيف تمنع العطاء وإنه ليس من كدك ولا من كد أبيك ولا من كد أمك، فغضب معاوية ونزل عن المنبر وقال للحاضرين مكانكم، وغاب ساعة عن أعينهم ثم خرج عليهم وقد اغتسل فقال: إن أبا مسلم كلمني بكلام أغضبني وإني سمعت رسول الله يقول: (الغضب من الشيطان والشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحد فليغتسل) [1] وإني دخلت فاغتسلت، وصدق أبو مسلم إنه ليس من كدي ولا من كد أبي فهلموا إلى عطائكم [2] .
وإن قال قائل هذا معاوية وهو المشهور بالحلم وذاك أبو مسلم ولا زالت الأمة بخير حكامًا ومحكومين، قلنا إذن اسمع:
قال الإمام سفيان الثوري: لما حج المهدي -أبو جعفر المنصور- قال لا بد لي من سفيان، فوضعوا لي الرصد حول البيت فأخذوني بالليل، فلما مثلت بين يديه أدناني، ثم قال لأي شيء لا تأتينا فنستشيرك في أمرنا، فما أمرتنا من شيء صرنا إليه، وما نهيتنا عن شيء انتهينا عنه، فقلت له: كم أنفقت في سفرك هذا؟ قال لا أدري لي أمناء ووكلاء، قلت فما عذرك غدًا، إذا وقفت بين يدي الله تعالى فسألك عن ذلك؟ لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما حج قال لغلامه كم أنفقت في سفرنا هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين ثمانية عشر دينارًا فقال ويحك أجحفنا بيت مال المسلمين [3] وقد علمت ما حدثنا به منصور بن عمار وأنت حاضر ذلك وأول كاتب كتبه في المجلس، عن إبراهيم عن الأسود عن علقمة عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رب متخوض في مال الله ومال رسول الله فيما شاءت نفسه له النار غدًا) [4] ، فيقول أبو عبيد الكاتب أحد متزلفي الحاشية، أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا؟ فيجيبه سفيان -بقوة المؤمن وعزة المسلم- اسكت إنما أهلك فرعون هامان وهامان فرعون [5] .
وإن قال آخرون -هذا المهدي وذاك سفيان كبير علماء عصره، والرأي العام لا زال إسلاميًا يسمع هذا ويؤيده ولا يجد غرابة في ذلك.
قلنا إن شعلة الإيمان لا زالت تضيء قلوب العلماء في عصور عديدة وهم لا زالوا يدركون مهمتهم في الحياة، وإن كان بعض الحكام يومئذ قد أصابهم بعض التنكب عن جادة الحق فتضيق صدورهم لمحاسبة العلماء لهم. ولكن بأي شيء كانوا يقابلون تلك المحاسبة، هذا ما يختلف فيه الحكام، ويتفاوتون فيه تبعًا لتفاوت إيمانهم بالإسلام.
فلنسمع:
لقد أقبل الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله على عمارة الزهراء أيما إقبال وأنفق من أموال الدولة في تشييدها وزخرفتها ما أنفق وهي في حقيقة حالها مجموعة من القصور الفاخرة وكان يشرف بنفسه على شؤون البناء والزخرفة حتى شغله ذلك ذات مرة عن شهود صلاة الجمعة.
(1) رواه أبو داود وأحمد، وقال شعيب الأرنؤوط:"إسناده ضعيف". أهـ
(2) [الحديث رواه أبو نعيم في الحلية، والحادثة ذكرها الإمام الغزالي في الأحياء ص70 جـ5.]
(3) [ص51 سراج الملوك] .
(4) رواه البخاري بلفظ: (إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة) ، ورواه أحمد بلفظ: (ورب متخوض في مال الله ومال رسوله له النار يوم يلقى الله) ، وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند:"حديث صحيح". أهـ
(5) [المسند للأستاذ أحمد محمد شاكر الجزء الأول] .