من أخطر المفاهيم الغربية، التي أدخلها الكافر المستعمر في بلاد المسلمين، عن طريق غزوه الثقافي: مفهوم -رجال الدين- ومن أخبث التهم وأكذب الحديث التي روجها هذا العدو اللئيم، أن يشبه خليفة المسلمين بالبابا، ويشبه الحاكم المسلم الذي يطبق الإسلام بالحاكم البابوي الذي له القداسة المطلقة، وله الحكم الفصل في كل أمر وقضية.
إن كلمة (رجال الدين) تحمل مفهومًا خطيرًا، ومعنى فاسدًا سقيمًا، وقد استطاع الكافر المستعمر أن يركزه عند المضبوعين بثقافته، فأصبحنا نسمعه منهم في كل مناسبة بل وصل الأمر أن رددها بعض علماء المسلمين اليوم، دون أن يدركوا مفهومها وحقيقة معناها.
إن هذه الكلمة (رجال الدين) اصطلاح أجنبي، أطلقه الغربيون على القسس والرهبان والأساقفة، وصفًا لهم، وتقريرًا لواقعهم، وذلك حينما قامت الثورة الفكرية في أوروبا تطالب بالإصلاح والتحرر من سيطرة الكنيسة ورجالها، تلك الكنيسة التي كانت تقف في وجه كل دعوة إصلاحية حسب المفاهيم الغربية وتتهمها بالمروق من المسيحية، الأمر الذي أدى إلى بقاء أوروبا قرونًا عدة وهي واقعة تحت سيطرة الكنيسة وظلم رجالها، مما أدى إلى التأخر والفساد وشيوع الاضطراب النفسي والفكري وبالتالي المادي.
فرجال الكنيسة كانوا يرون أن الإنسان فيه السمو الروحي والنزعة الجسدية، وأن السمو الروحي لا يلتقي مع النزعة الجسدية، وأن المادة منفصلة عن الروح، ومن هنا نشأ التناقض، فكان الفصل عندهم بين المادة والروح.
ولما كان ترجيح إحدى النزعتين ضغطًا لوزن الأخرى، فقد حاول رجال الكنيسة التمسك بالسلطة الزمنية، إذ بها يستطيعون الإشراف على النزعتين، وتحقيق التوازن بينهما، فيعيش الناس بهناءة وسعادة .... هكذا كانوا يزعمون.
ولكن لم يستطع رجال الكنيسة الإبقاء على السلطة الزمنية بأيديهم، فقد نازعهم فيها رجال الفكر فانتزعوها من أيديهم، وتركوا لهم أمور العبادة والطقوس الدينية يديرونها كيفما يشاؤون، وحسبما يريدونها، وقد رضي رجال الكنيسة بهذا الحال ووافقوا على هذا الواقع، ووجدوا في القول المأثور عندهم"أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله"خير عزاء وسلوان ..
والخلاصة فقد استقل رجال الكنيسة بالسلطة الروحية، واحتفظ السياسيون بالسلطة الزمنية، ونتج عن هذا الاستقلال فصل الدين عن الحياة، وفصل الدين عن الدولة والحكم والسياسة وعن شؤون المجتمع وعلاقات الدولة.
وأصبح من جزاء هذا الفصل، أن صار للدين مفهوم ضيق هو تدبير شؤون العبادة المسيحية، داخل الكنيسة، وصار لهذا الدين بهذا المعنى رجاله الخبيرون بشؤونه المتفرغون لخدمته ولتنظيم طقوسه وتراتيله ثم أطلق على هؤلاء -دون غيرهم- كلمة -رجال الدين- وصار مفهومًا ومعلومًا لدى الجميع أن رجال الدين لا شأن لهم في الحكم والسياسة ولا في شؤون الدولة وعلاقاتها، ولا في أفعال رئيس الدولة وتصرفاته، وإنما شأنهم وكل عملهم هو في العبادة، وهو كل الدين، ومن عمل منهم بخلاف ذلك فقد خرج على سلطان الكنيسة، وأصبح مارقًا منها منبوذًا من قبل رجال الاكليروس.
كما كان من أثر هذا كله أن صار للدنيا رجال هم رجال السياسة والدولة، عرف عملهم وخصص منهم تفكيرهم بأنه لا علاقة له بالدين ولا برجال الدين، وبهذا يكمن الخطر وتكون الخطورة لهذا المفهوم وقد ركز فصل الدين ورجاله عن الدنيا ورجالها، وأصبح لرجال الدين إدارة تابعة للكنيسة كما عرفوا بلباس كهنوتي معين تختلف أشكاله وألوانه حسب درجات العلم الكهنوتي كما لهم ألقابهم الخاصة من مطران وشماس وقس وراهب وأسقف وبطريرك وكردنال ثم بابا.