ومن الجدير بالذكر أننا لا ننكر حدوث إساءات أو وقوع مظالم في بعض العصور الإسلامية، وفي ظل دولة الإسلام، بل إن حوادث كتابنا هذا التي قام عليها الكتاب لتدل دلالة واضحة على عدم الإنكار، ولكن نقول إن حوادث الظلم ووقائع الجور من قبل بعض الحكام لا تعني أن الحكام فساق فجار كافرون مارقون كما يتصور البعض أو يصور البعض، ولا تعني أن المجتمع غير إسلامي.
وإنما تعني أن الأمة الإسلامية كانت في تلك العصور من أسعد الأمم لتطبيق أحكام الإسلام عليها، وتلك سعادة الأمة في كل حين، وأن لواء الإسلام كان خفاق [ .... ] في الأرض، وأن دولة الإسلام كانت زهرة الدنيا وكانت أمنية الشعوب المظلومة أن تستظل بلوائها، وإن الحكام كانوا مسلمين وإن وقعت إساءات منهم، ولذلك وقف العلماء من بعضهم موقفًا صلبًا وشديدًا لوقوع إساءات منهم لم تصل إلى حد تغيير أحكام الشرع أو تبديل حكم من أحكام الإسلام، موقفًا لم يعرف الخور والاستكانة، بل منهم من قدم رأسه لمقصلة السياف أو ظهره للسياط والجلاد، حسبة لله تعالى، وقيامًا بالواجب الذي فرضه الله تعالى على العلماء حملة الشرع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما نهى بعضهم عن مداخلة الحكام وتحريم التودد إليهم إلا لحماية صوت العلماء في وجه كل طاغية مما قد يصيبه من ضعف آت من تلك المداخلة، ومنهم من تعاون مع الحكام في إقامة الحق ونشر الخير عن طريق تولي المناصب القضائية ووظائف الدولة، ومع هذا وذاك فقد وجد منهم -العلماء- من يلبس الباطل ثوب الحق ويزين للحاكم مظالمه ويبرر سيئاته أن هؤلاء اشتروا الدين بعرض زائل من الدنيا فعليهم وزر صنيعهم ولا غرابة في ذلك لأنهم من البشر وليسوا ملائكة وهم يخطئون لأنهم من بني آدم (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) [1] .
(1) حديث حسن؛ أخرجه الترمذي 7/ 245، وابن ماجة 2/ 1420، والدارمي 2/ 303، وأحمد 3/ 198، وعبد بن حميد ص360، والحاكم، وقال المناوي: وقال الحاكم: صحيح، فقال الذهبي: بل فيه لين. أهـ (فيض القدير 5/ 17) .