الصفحة 11 من 146

ثالثًا: أن معرفة أحوال المجتمع وحياة أهل العصر تكون بمعرفة نوعية النظام الذي كان مطبقًا ومدى تطبيق الحاكم والمحكوم له، وهذه المعرفة تكون بدراسة ناحيتين والاطلاع على سيرهما بدقة.

الأولى- معرفة مصادر النظام المطبق في الحياة في ذلك العصر.

الثانية- معرفة مصادر التاريخ الذي يذكر كيفية تطبيق النظام.

أما النظام فتعرف نوعيته وتفهم صحة معالجاته لمشكلات الحياة، ويحكم على صلاحه وسلامته أو على فساده وخطئه من معرفة مصادره الفقهية التي استند عليها.

ومصادر نظام الإسلام هي الكتاب والسنة وما استند عليهما وأرشد إليهما، وهذه المصادر مفصلة مع الأحكام المستنبطة منها في الكتب الإسلامية، التي تعرف بكتب الفقه. وعلى هذا الأساس نجد أن النظام الذي كان مطبقًا في المجتمع في العصور الإسلامية كلها هو نظام إسلامي محض، حيث لم يوجد ولا نص فقهي واحد من غير الإسلام مما يدل على أن الإسلام كان مطبقًا وحده، ولو لم يكن كذلك، لذكرت نصوص أو نص واحد لمعالجة مشكلة من غير الإسلام.

أما مصادر التاريخ وهي التي تذكر كيفية تطبيق هذا النظام من قبل الحاكم أو المحكوم وتذكر أحوال المجتمع وحياة أهل العصر فإنها تكون بدراسة الأمور التالية:

كتب التاريخ: إن بعض هذه الكتب التي بين أيدينا اليوم خضعت للظروف السياسية وكانت تحشى بالتزوير والبهتان مدحًا أو ذمًا وبالزيادة والنقصان إما بجانب الذين كتبت في أيامهم وإما ضد الذين كتبت عنهم في أيام غيرهم [1] ، ومن البديهي أن هذه لا قيمة لها من الناحية التاريخية الموثوقة وعلينا بالكتب التاريخية المعتبرة التي لا يتطاول إليها الشك، ومن فضل الله تعالى على هذه الأمة أنه منحها مؤرخين يندر أن نجد أمثالهم في العالم كله لما بذلوه من جهد صادق في تحري الحقائق بكل أمانة وإخلاص.

وإذا درسنا هذه الكتب بنزاهة علمية وقلبنا أوجه حوادثها، وربطنا بين تلك الحوادث تاريخيًا وواقعيًا نجد أن المجتمع في العصور الإسلامية، كان مجتمعًا إسلاميًا وأن أهله من حكام ومحكومين كانوا يطبقون الإسلام. ولم يطبقوا غيره، بل لم يترجم العلماء نظام غيرهم ولو للاطلاع والرد كما فعلوا في الفلسفة، لأنهم كانوا في غنى عن ذلك.

الآثار: والآثار مصدر مهم من مصادر التاريخ، وهذه إذا درست بدقة فإنها تعطي حقائق تاريخية، ومن يتتبع آثار المسلمين في بلادهم لم يجد أثرًا غير إسلامي بل إن المسلمين تركوا لنا آثارًا عظيمة دلت على ذوقهم الإسلامي السليم، وعلى نفسيتهم الرائعة وعلى عقليتهم الإسلامية المبدعة.

الرواية: الرواية من أصح المصادر التي يعتمد عليها في نقل الحوادث والوقائع وذلك كشأن كتب الحديث التي نقلت سنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وكتاريخ الطبري وتاريخ ابن كثير، ومن مجموع هذه المصادر الثلاثة 1 - الكتب 2 - الآثار 3 - الرواية، مع معرفة مصادر النظام، يكون الحكم على النظام وعلى كيفية تطبيقه، وإذا لاحظ الدارس المدقق ذلك كله، يحصل على نتيجة طيبة، ويحكم على أن المجتمع في كل العصور الإسلامية التي كانت تحكمه الدول الإسلامية، كان الإسلام مطبقًا وقائمًا.

(1) [وأقرب دليل على ذلك تاريخ الأسرة الهاشمية في العراق فإنها وصفت قبل ثورة 14 تموز 1958 بخدمة الأمة ورعاية الدين والنزاهة في الحكم وغير ذلك من الأوصاف المذكورة في الكتب التي ألفت في عهدهم، ولكن بعد ثورة 14 تموز وصفت بالخيانة والمروق من الدين وفساد الحكم وألفت في ذلك كتب، ومثل ذلك تاريخ أسرة حميد الدين في اليمن وتاريخ الأسرة العلوية في مصر.]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت