الصفحة 68 من 146

لعلماء السلف الصالح رحمهم الله تعالى آراء في مواجهة الحكام، وأحوال يقررونها في غشيان مجالس الحكام تبعًا لحال الحكام، وواقعهم من حيث عدلهم وظلمهم، أو من حيث مدى تعلقهم بالإسلام وتطبيقهم له، أو الإساءة والإعراض عنه.

فبالنسبة للحكام العادلين الحريصين على تطبيق الشريعة، المنفذين لحدود الله المقيمين لشعائر الإسلام، إن هؤلاء لا خلاف بين العلماء في جواز مواجهتهم وغشيان مجالسهم، إن لم تكن مندوبة. بل واجبة، لما يترتب على هذه المواجهة من إعانة على إقامة العدل واستمرار وجوده، وتحقيق الخير وإدامته لأبناء الأمة الإسلامية. وهو داخل في عموم قوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى) [1] .

وهل هناك تعاون أسمى من تعاون العلماء مع الحكام، على رعاية مصالح الأمة، على أساس أحكام الإسلام، التي يحملها العلماء وينفذها الحكام، ولذلك كان العلماء والحكام يسارعون للاجتماع والمواجهة كل بالآخر، لتحقيق هذه الرعاية بأجلى صورها.

أما بالنسبة للحكام الآخرين، الموصوفين بالحكام الظلمة، وهم الذين أعرضوا عن أحكام الإسلام كليًا أو جزئيًا في حكمهم، وهم بنفس الوقت يدعون الإيمان بالإسلام، ويشهدون شهادة الحق، وربما أدوا العبادات مع المسلمين. فهؤلاء يقسم الإمام الغزالي رحمه الله أحوال مواجهتهم إلى ثلاثة:

الحالة الأولى وهي الدخول عليهم: (فهو مذموم جدًا في الشرع وفيه تغليظات وتشديدات وردت الأخبار والآثار فيها، ننقلها لتعرف ذم الشرع له، ثم نتعرض لما يحرم منه وما يباح وما يكره على ما تقتضيه الفتوى في ظاهر العلم) .

ثم يمضي حجة الإسلام في سرد الأخبار المتعلقة بالحكام الظلمة نذكر منها قوله صلى الله عليه وسلم.

(فمن نابذهم نجا ومن اعتزلهم سلم أو كاد أن يسلم، ومن وقع معهم في دنياهم فهو منهم) [2] .

وذلك لأن من اعتزلهم سلم من إثمهم ولكن لم يسلم من عذاب يعمه معهم إن نزل بهم، لتركه المنابذة والمنازعة، وقوله عليه الصلاة والسلام: (سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولم يرد على الحوض) [3] الخ ...

ثم يقول: الحالة الثانية: أن يدخل عليهم السلطان الظالم زائرًا فجواب السلام لا بد منه، وأما القيام والإكرام له فلا يحرم، مقابلة له على إكرامه، فإنه بإكرام العلم والدين مستحق للإحماد، كما أنه بالظلم مستحق للإبعاد، فالإكرام بالإكرام، والجواب بالسلام، ثم يجيب عليه (على العالم) بعد أن وقع اللقاء أن ينصحه ويرشده إلى طريق المصلحة إن كان يعرف طريقًا على وفق الشرع. الخ.

ثم يقول: الحالة الثالثة: أن يعتزلهم فلا يراهم ولا يرونه، وهو الواجب، إذ لا سلامة إلا فيه، فعليه أن يعتقد بغضهم على ظلمهم، ولا يحب بقاءهم، ولا يثني عليهم ولا يستخبر عن أحوالهم الخ ...

ثم يجيب الغزالي على سؤال متوقع فيقول: فإن قلت فقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين فأقول: نعم. تعلم الدخول منهم ثم ادخل، ثم حكى مستشهدًا على ذلك:

(1) الآية 2 المائدة.

(2) "أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس بسند ضعيف". أهـ (تخريج أحاديث الإحياء 2/ 113) .

(3) حديث صحيح،"أخرجه النسائي والترمذي وصححه والحاكم من حديث كعب بن عجرة" (تخريج أحاديث الإحياء 2/ 113) ، وأخرجه أحمد، وقال شعيب الأرنؤوط:"إسناده صحيح على شرط الشيخين". وصححه الألباني في"صحيح الترغيب والترهيب"2/ 269.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت