الصفحة 69 من 146

أن هشام بن عبد الملك. قدم حاجًا إلى مكة فلما دخلها، قال: ائتوني برجل من الصحابة، فقيل يا أمير المؤمنين قد تفانوا، فقال: من التابعين. فأتي بطاوس اليماني -العالم الجليل رحمه الله- فلما دخل عليه، خلع نعليه بحاشية بساطه ولم يسلم عليه بأمرة المؤمنين ولكن قال: السلام عليك يا هشام، ولم يكنه، وجلس بإزائه وقال: كيف أنت يا هشام، فغضب هشام غضبًا شديدًا، حتى همّ بقتله، فقيل له: أنت في حرم الله وحرم رسوله، ولا يمكن ذلك ...

فقال: يا طاوس ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضبًا وغيظًا. قال هشام: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبل يدي، ولم تسلم بأمرة المؤمنين ولم تكنني، وجلست بإزائي بغير إذني، وقلت كيف أنت يا هشام.

فقال: أما ما فعلت من خلع نعلي بحاشية بساطك، فإني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني، ولا يغضب علي، وأما قولك لم تقبّل يدي. فإني سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: لا يحل لرجل أن يقبّل يد أحد إلا امرأته من شهوة، أو ولده من رحمة، وأما قولك لم تسلم بأمرة المؤمنين، فليس كل الناس راضين بأمرتك فكرهت أن أكذب، وأما قولك لم تكنني فإن الله سمى أنبياءه وأولياءه فقال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى، وكنى أعداءه فقال: تبت يدا أبي لهب، وأما قولك جلست بإزائي، فإني سمعت أمير المؤمنين عليًا رضي الله عنه يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام.

فقال هشام: عظني، قال: سمعت من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، يقول: إن في جهنم حيات كالقلال [1] وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته. ثم قام وهرب. ثم إن الإمام الغزالي يذكر في هذا الفصل من كتابه إحياء علوم الدين، فيقول:(ولا يجوز الدخول عليهم إلا بعذرين، أحدهما أن يكون من جهتهم أمر إلزام لا أمر إكرام، وعلم أنه لو امتنع أوذي، أو فسد عليهم طاعة الرعية، واضطربت عليهم أمر السياسة. فيجب الإجابة، لا طاعة لهم، بل مراعاة لمصلحة الخلق حتى لا تضطرب الولاية.

الثاني: أن يدخل عليهم في دفع ظلم عن مسلم سواه، أو عن نفسه، إما بطريق الحسبة أو بطريق التظلم وذلك رخصة بشرط أن لا يكذب ولا يثني عليهم، ولا يدع نصيحة يتوقع قبولها فهذا حكم الدخول) [2] .

فعلماء السلف الصالح كان بعضهم يتحرج من مواجهة هؤلاء الحكام تعففًا وزهدًا، وإبعادًا من الوقوع في الشبهات أو لإظهار صلابتهم وقوتهم ومن أولئك الإمام سعيد بن المسيب مع عبد الملك بن مروان.

فقد رووا أن عبد الملك بن مروان لما حج وقدم المدينة، وقف على باب المسجد المبارك، ثم أرسل إلى سعيد بن المسيب رجلًا يدعوه ولا يحركه. فأتاه الرسول وقال: أمير المؤمنين واقف بالباب يريد أن يكلمك، فقال سعيد: ما لأمير المؤمنين إليّ حاجة، وما لي إليه حاجة، وإن حاجته إليّ لغير مقضية، فرجع الرسول وأخبر عبد الملك بذلك، فقال ارجع إليه إنما أريد أن أكلمه ولا تحركه، فرجع إليه، وأعاد الكلام، فقال له سعيد ما قال أولًا، فقال له الرسول: لولا أنه تقدم إليّ فيك ما ذهبت إليه إلا برأسك، يرسل إليك أمير المؤمنين يكلمك وتقول مثل هذه المقالة، فقال سعيد إن كان يريد أن يصنع بي خيرًا فهو بك، وإن كان غير ذلك، فلا أحل موتي حتى يقضي ما هو قاضي، فرجع الرسول وأخبره بذلك فقال عبد الملك: رحم الله أبا محمد أبى إلا صلابة [3] .

(1) [القلال: رؤوس الجبال] .

(2) [ملخص من الباب السادس (فيما يحل من مخالطة السلاطين الظلمة وحكم غشيان مجالسهم) من كتاب إحياء علوم الدين جـ5] .

(3) [ص129 جـ5 الإحياء] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت