اختلف العلماء في قبول منح الحكام أو أُعطياتهم، تبعًا لاختلاف آرائهم في ذلك لذلك كانوا أقسامًا.
القسم الأول: كان يرفض أخذ المال من الحاكم، ويبتعد عنه، ومن هؤلاء أبو حنيفة وسفيان الثوري، والفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وعمرو بن عبيد والطبري وابن المسيب وأضرابهم لأن أعطيات الحكام ومنحهم، كانت يومئذ بمثابة امتحان يجربه بعض الحكام للعلماء، لمعرفة مقدار الولاء لهم.
لذلك كان الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه يرفض كل منحة وعطاء، وهو يعلم أن رفضه هذا يعرضه للأذى والمضايقة. فقد روى أبو طالب المكي في مناقبه (أنه أرسل إليه أبو جعفر المنصور بجائزة عشرة آلاف درهم وجارية، -كانت الأعطيات والمنح تسمى جوائز- وكان عبد الملك بن حميد وزير أبي جعفر فيه كرم وجودة في الرأي، فقال لأبي حنيفة عندما رفضها: أنشدك الله، إن أمير المؤمنين يطلب عليك علة، فإن لم تقبل صدق على نفسك ما ظن بك، فأبى عليه، فقال -الوزير- أما المال فقد أثبته في الجوائز وأما الجارية فاقبلها أنت مني، أو قل عذرك، حتى أعذرك عند أمير المؤمنين فقال أبو حنيفة: إني ضعفت عن النساء وكبرت، فلا أستحل أن أقبل جارية لا أصل إليها ولا أجرؤ أن أبيع جارية خرجت من ملك أمير المؤمنين) .
وفي الوقت الذي كان رحمه الله تعالى يرد جوائزهم ومنحهم برفق كان يرد هداياهم كذلك. (لقد وقع بين المنصور وزوجه الحرة شقاق بسبب ميله عنها، وطلبت العدل منه، فقال لها بمن ترضين في الحكومة -التحكيم- بيني وبينك، قالت: بأبي حنيفة، فرضي هو أيضًا، فأحضره وقال له: يا أبا حنيفة، الحرة تخاصمني فانصفني منها، قال: ليتكلم أمير المؤمنين، قال: يا أبا حنيفة، كم يحل للرجل أن يتزوج من النساء فيجمع بينهن؟ فقال: أربع، قال: وكم يحل له من الإماء؟ فقال: ما شاء ليس لهن عدد، قال: أيجوز لأحد أن يقول خلاف ذلك؟ فقال لا. قال المنصور قد سمعت، فقال أبو حنيفة: إنما أحل الله هذا لأهل العدل، فمن لم يعدل أو خاف ألا يعدل فينبغي أن لا يجاوز الواحدة، قال الله تعالى(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) [1] فينبغي أن نتأدب بأدب الله، ونتعظ بمواعظه، فسكت أبو جعفر وطال سكوته، فقام أبو حنيفة وخرج، فلما بلغ منزله أرسلت إليه زوج المنصور الحرة- خادمًا ومعه مال وثياب وجارية وحمار مصري، فردها وقال للخادم: اقرئها السلام وقل لها: إنما ناضلت عن ديني وقمت بذلك المقام لله، لم أرد بتلك تقربًا إلى أحد ولا التمست به دنيا. [2]
أما سفيان الثوري، والفضيل بن عياض، فقد وضح موقفهما هذا برفض العلماء، حين سقنا حادثة جوابهما على سؤال هارون الرشيد في فصل الحكام يسألون العلماء.
أما عمرو بن عبيد، فقد دخل على أبي جعفر المنصور يومًا فلما نصحه ووعظه وأراد الخروج قال المنصور: قد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم، قال لا حاجة لي فيها، قال المنصور: والله تأخذها، قال عمرو والله لا آخذها، وكان المهدي ولد المنصور حاضرًا، فقال: يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت؟ فالتفت عمرو إلى المنصور وقال: من هذا الفتى؟ قال هو ولي العهد ابني المهدي، فقال: أما والله لقد ألبسته لباسًا ماهرًا من لباس الأبرار، وسميته باسم ما استحقه، ومهدت له امرًا: أمتع ما يكون به، أشغل ما يكون عنه ثم التفت عمرو إلى المهدي فقال: نعم يا ابن أخي إذا حلف أبوك حنثه عمك لأن أبا أباك أقوى على الكفارات من عمك. فقال له المنصور: هل من حاجة؟ قال لا تبعث إليّ حتى آتيك. فقال إذن لا تلقاني، فقال هي حاجتي، ومضى فاتبعه المنصور طرفه وقال:
(1) آية 3 من سورة النساء.
(2) [ص37 أبو حنيفة للأستاذ أبي زهرة] .